طلب واحد

لم يصدق سعيد أذنيه ، فزوجته الراقدة على سرير العناية المركزة منذ أسبوع تعاني من سرطان رئوي ، تمكن من استيطان رئتيها و انتقلت عملية الإستيطان هذه لأعضاء أخرى من جسمها.... و كان مذهولا من وقع الخبر و ظن للحظة أنه سيغمى عليه أو سيجن ، و امتلأت عيناه بالعبرات و توارى عن أنظار الأطباء و الممرضين و التمس له ملجأ و لم يجد سوىالحمام ليطلق فيه لنفسه العنان و يبكي بحرقة الطفل الذي فقد أمه... و لم يدر كم مر من الوقت لكي يعود إلى أرض الواقع و يتذكر أن أيام زوجته باتت معدودة و أنها غائبة عن الوعي و ربما كان حوارهما ليلة الأحد من أسبوع آخر حوار له معهاأخذ له مقعدا في قاعة الإنتظار و قلبه يعتصر ألما لما يحدث ل" زهرة " زهرة حياته التي بدأت تذبل أمام عينيه منذ شهور و لم يكن يأبه لذلك.. كانت امرأة صبورة جدا ، قاست معه الأمرين ، لم تكن تثقل كاهله بالطلبات ...لأنها و بكل بساطة اعتادت أن يرد طلبها في كل مرة...ففكرت في مشروع لكي تعول أطفالها الأربعة و تجتنب ذل السؤال حتى لزوجها...! اقتنت آلة خياطة و كانت تسدد ثمنها بالتقسيط الممل.. و كانت تسهر كل ليلة على حياكة كل شيء و أي شيء لكي يتمكن أولادها من العيش بكرامة و يدرسوا و يتمكنوا من لبس ما يستر عوراتهمو لكن كانت تطلب دائما طلبا واحدا... و تذكر أنها لم تكن تجلس للخياطة إلا بعد أن تقوم بواجباتها المنزلية و واجباتها نحو الأولاد و نحوه أيضا... اغرورقت عيناه مرة أخرى حينما تذكر أنه كان دائم الصياح بها كلما سمع ضوضاء الأطفال أو تأخرت في تلبة طلب من طلباته ...في حين أنه كان مجحفا لحقوقها و لم يكن يرثى لحالها ... حتى لما بدأت في الشحوب و الإضمرار و بدأت في السعال ، كان يوبخها و يقول لها هذه نتيجة جلوسها على آلة الخياطة المشؤومة... لم يكن سعيد مستعدا لنسيان ليلة زفافه من زهرة... لم يكن زواجه سوى تلبية لطلب ملح من أمه المريضة التي أرادت تزويجه قبل أن تفارق الحياة.. فكان أن طلب منها أن تختار هي من تراها مناسبة لهو وقع اختيار الأم على زهرة... و تذكر بمرارة كبيرة أنه عاملها بجفاء ...كأنها فرضت عليه فرضا و جاءت لتقيد حياته و تحرمه من سهراته مع رفاقه للصبح... أراد بكل ما أوتي من قوة أن يوقف شريط ذكرياته معها لأنه يزيد من احساحه بالذنب و يغرس في قلبه جراحا لم يكن يعتقد في يوم من الأيام أنه ستفتح في داخله و لن يتمكن من إيقاف نزيفها... و لكن أبت صور الماضي-الذي لا يحتفظ له بصورة جميلة معها-إلا أن تفرض وجودها و تمر أمامه رغما أنفه... و كانت صورة اعتناء زهرة بأمه حتى وافتها المنية و حرصها على راحتها و العلاقة الوطيدة التي جمعتها إلى آخر رمق بأمه من أبهى الصور التي لن تفارق مخيلته، فأمه توفيت و هي راضية على زهرة كل الرضا... ماتت و هي تحث ابنها أن يهتم بزوجته كما يجب و لا يحرمها حقوقها...و لكن لا حياة لمن تنادي... أما أبناؤه ، فكانت دائمة الإهتمام بهم و الحرص على أن يطيعوا والدهم و كم من مرة تفاجأ بها و هي
تخترع لهم قصصا من نسج خيالها عن طيبته و بطولاته؟؟لم تيأس أبدا من تمكنها في يوم من الأيام جعل زوجها يعود من عالم البطش و اللامسؤولية إلى عالم الطيبة و التعامل الحسن و تحمل أعباء الحياة... و لكنها الآن تحتضر و لا شيء من هذا حدث ...فاسودت الدنيا في عينيه و أحس بدوارو تمنى لو يغيب عن الوعي ، و لا يعود إلى الدنيا أبداتمنى لو تنشق الأرض و تبتلعه و يهرب من حسرة العمر هذه... و لكن هيهات أن يتأتى له ذلك ..و أحس فجأة أنه لم يعد يمتلك من السعادة إلا ربما ما يحمله إسمه من "كلمات" و أن فرصة سعادته الحقيقية تركها تمر أمام عينيه لسنين عديدة و لم يعرها انتباها... و حقا لا تعرف قيمة الشيء أو الشخص إلا عند فقدانه... ثم عادت الصور ليتذكرها و هي ترعاه في مرضه..كانت لا تفارقه إلا للضرورة القصوى ..و تحاول إعداد ما يحبه من الطعام و تطعمه بنفسها و لا تتركه حتى تعود له صحته و عافيته...ثم تذكر كم كانت قسمات وجهها تعبر عما يختلج في صدرها من ألم لمرضه و كم كانت ترسم من علامات الفرح و السرور لتماثله للشفاء... بينما هو كان ليلتها...ليلة الأحد المشؤومة التي فقدت فيها الوعي...كان يغطي أذنيه بالوسادة و هو داخل فراشه لئلا يسمع صوت سعالها و لا صوت آلة الخياطة التي لم تستطع أذناه أن تستسيغه رغم مرور سنين عديدة و هو يخرم طبلة أذنيه... ولو لم يكن مضطرا للقيام لدخول الحمام لما تمكن من رؤية المنظر الذي سينطبع في ذاكرته إلى الأبد ...منظر زوجته و هي ملقاة على الأرض و أنفاسها متسارعة و بجانبها بركة من الدماء.... أخذ سعيد نفسا عميقا من سيجارته التي أدخلها بصعوبة بواسطة يدين ترتجفان من التوتر و الألم... و فجأة انتفض واقفا و رمى بسيجارته تحت قدميه و سحقها سحقا ثم صاح بمنتهى الغيظ:"يا ويلي، يا ويلي لقد كانت زهرة تطلب مني طلبا واحدا لا غير...كانت تطلب مني أن أتوقف عن التدخين كي لا أمرض... و لكنني قتلتها...قتلتها ...سجائري هي التي قتلتها..." و بدأ يضرب بيديه و رجليه حائط قاعة الإنتظار... و غاب عن الوعي..
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
أدباء الدَّعوة في انتظار الـمِظلّة
جواب العلم والدين.. لما تعارض عن يقين!
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو