كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
في عالمٍ لم يعد فيه البيتُ جزيرةً معزولة، وأصبحت الشاشاتُ والمؤثراتُ الخارجية تُزاحم الوالدين في غرس القيم، تبرز عقيدة التوحيد كمرساة الأمان الوحيدة لجيلِ اليوم. لكن، كيف ننقل هذا المفهوم العظيم من حيز التلقين الجامد إلى فضاء الحب واليقين؟ وكيف نبني في عقول أطفالنا حصوناً تحميهم من عواصف الشبهات وطوفان الماديات؟ في هذا الحوار الخاص مع الدكتورة هناء جادو، نغوص في منهجية تربوية مبتكرة، تبتعد عن الترهيب والوعود الزائفة، لترسم صورة إيمانية مشرقة، ونستكشف معاً كيف يمكن لمنصة 'إتقان' أن تكون خارطة الطريق لكل مربٍّ يطمح لبناء جيلٍ متَّصل بالخالق، واعٍ بالواقع، ومسلّح بالقيم.
وهذا نص الحوار:
كيف يمكن للآباء والمعلمين تبسيط مفاهيم التوحيد لمساعدة الأطفال على فهمها بشكل أفضل لنرسم في مخيلتهم صورة إيمانية بعيدة عن التعقيد؟
تنشئة الأبناء على عقيدة التوحيد هي الأولوية القصوى لكل مربٍّ، سواء كان أبًا أو أمًّا أو معلّمًا. وقد أصبحت هذه المهمة تتطلب وعيًا عميقًا ومنهجية واضحة، لا سيما في ظل المتغيّرات المتسارعة التي تستهدف وعي الأجيال الناشئة.
نعيش اليوم في زمن يحيط بالأبناء من كل جانب، وتتجاذبهم مشتّتات تدفعهم نحو إدمان المتَع والبحث عن الحرية المنفلتة من القيود. لقد تخطى الأمر مجرد الشبهات العابرة إلى محاولات جادة لطمس الهوية الإنسانية، والجنسية، والدينية.
في الماضي، كانت التربية تتم بشيء من العفوية داخل بيئات صالحة ومغلقة. أما اليوم، فالأبناء يتلقون أفكارهم من الإنترنت والإعلام أكثر مما يتلقونه من الأسرة، مما أدى إلى تسرب الشبهات حتى داخل الأسر المتدينة. لذا، لم تعد التربية العفوية مجدية، بل أصبح من الضروري تبني منهجية واعية لمواجهة هذه التحديات. فلقد أصبحنا على علم بالتحديات التي ستواجه أبناءنا. وأصبحنا قادرين على إعدادهم استباقيًا لها، نقدم لهم المفاهيم الصحيحة عن الله والكون والناس وأنفسهم، نغرس القناعات العميقة وندرب على السلوكيات المبنية عليها. وبالطبع في هذا الأمر تفصيل كبير.
هل يمكنك اقتراح بعض التطبيقات العملية التي يتمكن الآباء من استخدامها لدمج القيم الإيمانية في روتين الأطفال اليومي بشكل فعّال؟
أحب أن أبدأ إجابة هذا السؤال بما لا يجب أن نفعله؛ فهناك أخطاء يقع فيها الكثير من المربين وبمنتهى العفوية، إلا أنها تغلق أبواب المحبة بين الأبناء وبين الله.
أن يعلم المربي أنه بوابة لرحمات الله وليس مصدرًا لها:
حيث يقع الكثير من المربين في خطأ غير مقصود حين يضعون أنفسهم كـ 'قفل' أو حاجز بين الطفل وبين الله. فمن دافع الحب، يكرر المربي عبارات مثل: 'أنا سأحميك، أنا لن أتركك أبدًا، طالما أنا موجود، لا تخف من أي شيء'. هذا الأسلوب يحجب رؤية الطفل لله بصفته الرّزّاق والحافظ الحقيقي. المنهج الصحيح يقتضي ترسيخ فكرة أن الوالدين هما مجرد 'أسباب' أو بوابات يرسل الله من خلالها الرحمة والرزق.
مثال عملي: عندما يُقدم طعام لذيذ للطفل، بدلًا من قول 'لقد اشتريت لك هذا الطعام لأنني أحبك'، يُفضل توجيهه بلعبة أو سؤال: 'من أرسل لك هذا الطعام الجميل؟' وإذا أجاب الطفل 'أنت يا أبي'، نصحح له بلطف: 'الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطى والدك الصحة ليعمل، وأعطى والدتك القدرة لتعد هذا الصنف اللذيذ'. هذا الربط الدائم يرسخ تعلق الطفل بخالقه في كل تفاصيل يومه.
الخطأ الثاني الذي يقع فيه كثير من المربين أيضًا هو إعطاء الوعود الزائفة بدون قصد:
من أخطر المزالق التربوية تقديم وعود دينية خيالية ومغلوطة للأطفال بغرض التحفيز؛ لأنها تنسف ثقة الطفل بالدين عندما يصطدم بالواقع.
مثال العقرب ووِرد القرآن: معلمة في بيئة صحراوية يكثر فيها العقارب، تقول لطلابها تحفيزًا على الحفاظ على الوِرد اليومي: 'من يقرأ وِرد القرآن في الصباح، لن يلدغه عقرب ولن يصيبه أذى'. فإذا قرأ الطفل وِرده ثم أصيب أثناء اللعب، سيعتقد أن الدين غير صحيح، ولن يدرك أن المعلمة هي من أضافت هذه المبالغة من عندها.
مثال الحجاب والسعادة المطلقة: أن يُقال للفتاة: 'بمجرد ارتدائك الحجاب ستشعرين بالراحة والطمأنينة المطلقة وتكونين في قمة السعادة'. هذا غير دقيق، فالفتاة قد تواجه تحديات حقيقية، كالشعور بالغيرة من حرية صديقاتها غير المحجبات، أو قد تتعرض للتنمر والعنصرية. والتزام الطاعة لن يعطي هذه الراحة والسعادة المباشرة؛ إن التزام الشريعة يتطلب صبرًا ومجاهدةً. إن التزام الفتاة بالحجاب في بيئة غير إسلامية أمر يتطلب صبرًا وفيه مشقة وإن كان يحمي من أضرار تستحق هذه المشقة.
الصواب هو تقديم المفاهيم بشفافية؛ فالدين يضمن العدالة المطلقة والسعادة التي لا ألم أو معاناة فيها في الآخرة، والابتلاءات في الدنيا هي سنن كونية، والالتزام بأوامر الله هو طاعة له ومحبة، حتى وإن صاحبه بعض المشقة أو المعاناة.
من أهم أساليب التربية الفعّالة هو التكرار الواعي للمفهوم الصحيح مستعملين أساليب جديدة إبداعية لبناء القناعات الصحيحة واستعمال الأدلة العلمية والأبحاث الموثقة. العقيدة لا تُغرس بمجرد التلقين لمرة واحدة، بل تُبنى بالتكرار في حالة من الراحة والشعور بالأمان. ولكن التكرار يجب ألا يكون مملًّا.
أن نكرر للأبناء منذ طفولتهم أن الله يحبهم وأن القيمة الأولى التي تحكم العلاقة بيننا وبين الله هي المحبة. ولتثبيت تلك القناعة فلا بد من أدلة مقنعة للأطفال. والشريعة هي أكبر دليل على ذلك؛ فإن الله لا يأمر إلا بما ينفع ولا ينهى إلا عما يضر. فلنستحضر لهم دومًا كيف كانت هذه الشريعة تحمي من أضرار كذا وكذا، وكيف تأمر بهذا الشيء المفيد جدًا في كذا وكذا. والمباحث في هذا الشأن كثيرة جدًا ويمكن الوصول إليها بسهولة مع انتشار وسائل البحث والوصول للمعلومات.
مثال عملي: عند تعليم الأطفال سنن الفطرة كالوضوء، وقص الأظافر، وغسل الأيدي، يمكن اكتشاف الإعجاز العلمي فيها من خلال تعليمات منظمة الصحة العالمية (WHO) للوقاية من الأوبئة والأمراض. يُقال للطفل: 'انظر كيف أن الله من فرط حبه لنا، علمنا هذه العادات قبل مئات السنين ليحمينا من الأمراض'. هذا المدخل يثبت في العقل الباطن أن الشريعة جاءت لمصلحتنا. وأن علينا أن نستحضر معهم جمال الدين الذي يقودنا للحياة الطيبة ويحمينا من الخبث والضرر. ونعلمهم قوله تعالى في سورة الأعراف: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (157).
وعلى المربين التعامل بحكمة مع أسئلة الغيبيات الكبرى:
يطرح الأطفال تساؤلات عميقة تتطلب إجابات علمية ومنطقية ومبسطة تعتمد على ضرب الأمثلة لتقريب الصورة:
مفهوم الحرية (لعبة الروبوت): لشرح لماذا يتركنا الله نخطئ ولماذا لا يجبرنا على الطاعة، يمكن أن نلعب مع الأطفال لعبة 'الروبوت'. نطلب منهم ألا يتحركوا أو يجلسوا إلا بأمر مباشر منا. بعد قليل، نسألهم: 'هل تحبون أن تكون حياتكم هكذا؟ مسلوبي الإرادة كالآلات؟' كم هذا سيئ ألا تتحرك كما تحب ولا تفعل ما تريد. هنا نوضح لهم أن الله كرّم الإنسان ومنحه 'حرية الاختيار'. ولكن من محبة الله لنا أن أرسل لنا شريعة تحمينا من الخبيث والضرر وتأمرنا بما ينفعنا.
لماذا لا نرى الله؟ (مثال الميكروسكوب والكهرباء): عندما يسأل الطفل هذا السؤال، نوضح له أن حواسنا البشرية قاصرة ومحدودة 'رحمةً بنا'. نسأله: 'هل نرى الميكروبات والفيروسات؟' الإجابة لا، ولكننا نعرف وجودها عندما نمرض، واحتجنا لاختراع الميكروسكوب لنراها. وهل نرى الكهرباء تسري في الأسلاك؟ لا، ولكننا نرى المصباح يضيء. كذلك، نحن لا نرى الله بأعيننا المحدودة، لكننا نرى آثار عظمته وإبداعه في الكون. ونشرح له أن محدودية بصرنا هي نعمة؛ فتخيل لو أننا نرى كل الجراثيم والميكروبات الموجودة على أيدينا وطعامنا طوال الوقت! قد نفقد عقولنا من كثرة التفاصيل. الله حجب عنا رؤية أشياء كثيرة لكي نستطيع العيش بسلام.
تقدم منصة 'إتقان' رؤية متكاملة لمنظومة الأهداف التربوية المخصصة لكل مرحلة عُمرية؛ حيث تشمل:
بناء الهوية السليمة: عقيدة، عبادة، قيم، وأخلاق.
بناء المهارات الإنسانية الحديثة: مثل مهارات التفكير، واتخاذ القرار، وحل المشكلات وغيرها.
مواجهة التحديات المعاصرة: عبر مسار مخصص للتعامل مع الشبهات التي يتعرض لها أبناؤنا ليل نهار.
وبناءً على ما سبق، وضعنا منظومة من المفاهيم الصحيحة بترتيب زمني مدروس، مدعومة ببرامج عملية لتحويل هذه المفاهيم إلى قناعات راسخة في عقول وقلوب أبنائنا. ولا يتوقف دورنا عند هذا الحد؛ بل نضع تكليفات وواجبات عملية تدربهم على تطبيق ما تعلموه حتى يُعزّز كل منهما الآخر.
برامج عملية لا مجرد تنظير:
لا تكتفي منصة 'إتقان' بتقديم النصائح أو الشروحات النظرية، بل توفر برامج عملية تُبيّن للمربي كيف يشرح، ويُبسّط، ويُجيب، ويُقنع، ويُدرّب.
وسائل تعليمية جاهزة ومتنوعة:
جميع البرامج متاحة على المنصة، وتتضمن وسائل عملية متنوعة (سمعية، وبصرية، وألعاب، وفنون). ونوضح مع كل وسيلة كيفية توظيفها بدقة لتحقيق الهدف التربوي المنشود. كما أن جميع الوسائل جاهزة للاستخدام المباشر لتوفير جهد الإعداد الاحترافي على المربي؛ إذ يكفيه الاطلاع عليها جيّدًا ثم استخدامها مباشرة من المنصة في الصف أو المنزل.
لضمان أقصى استفادة من البرامج العملية، نؤكد في تدريبنا للمربين على عدة مسارات واضحة:
للمعلمين والمربين: يشترك الكثير منهم في المنصة للحصول على البرامج العملية، حيث يتدارسونها ويطبقونها مباشرة في دروسهم.
لأولياء الأمور (الآباء والأمهات): يدرس الوالدان الأهداف، ويتعلمان آليات غرس القيم، ثم يستخدمان الأساليب والوسائل مع أبنائهما خلال الحوارات اليومية واللقاءات العائلية.
بالإضافة إلى ذلك، نقدم دورات تدريبية اختيارية للمربين تهدف إلى:
ـ بناء الوعي بخصائص المراحل العُمرية: فهم السمات الجسدية والنفسية والعقلية لكل مرحلة، وتحديد نوع الدعم اللازم الذي يحتاجه الطفل أو الطالب من المربي.
ـ الاستعداد للتحديات المعاصرة: الوعي بالتحديات التي تواجه الأبناء في كل مرحلة، وكيفية إعدادهم للتعامل معها بشكل استباقي.
ـ منهجية التوجيه وتصويب المفاهيم: التفريق بين المفهوم الصحيح والخاطئ، وكيفية إكساب المفاهيم الصحيحة للأبناء وتصويب الأخطاء لديهم.
ـ بناء القناعات والمهارات: التدريب على المداخل الصحيحة لبناء القناعات الراسخة، وكيفية تنمية المهارات السلوكية والعقلية.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
كيف نربي أبناءنا على عقيدة التوحيد؟
هِــيَ الــحَــرب
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الرابع عشر
إعدام الأسرى من عكا إلى الكنيست.. قانون الموت يتكرر
طفل على قارعة الطريق… حين يدفع الأبناء ثمن خلافات الكبار