كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
في لُجَّة الصراعات التي تعصف بكياننا، وتُدمي سويداءَ قلوبنا، تبرز صورةٌ بالغة القسوة، لا تضاهيها في نِكايتها جحافل العدو التي استباحت الأرض وحازت السماء؛ إنها صورة 'الخذلان' حين يسدِّد نِصالَه من كِنانة ذوي القربى، في النسب واللغة والإيمان.
يتيه 'ابن غفير' بخمرته منتشيًا، يترنَّح بالشماتة في ردهات الكنيست بعد إقرار قانونٍ يُشرعن وَأْدَ آلاف الأسرى خلف قضبان المحتل؛ في مشهدٍ تتجلى فيه النذالة في أبشع صورها، وتطفو ملامح الاستهانة على جراحٍ لم يُكتب لها الالتئام بعد. هناك؛ يرقص العدو على أنقاض ضميرٍ إنساني انزوى في ركنٍ قصي، مثقلًا بصمتٍ يشبه الموت.
إن هذا ليس انتصارًا للمحتل بقدر ما هو مرآةٌ كاشفة لعورة 'خذلانٍ مزدوج'، تجرَّع غُصصه المرابطون على ثغور العزة؛ إذ طُعنوا في الظهر مرتين:
أما الأولى: فحين رُسمت لهم على جدار الوهم أطياف النُّصرة، وقيل: إن الجبهات ستشتعل، وإن المدد آتٍ يجرُّ خلفه جحافل الفتح. فانتظروا طويلًا بقلوبٍ واجفة، فإذا بالواقع محضُ شعارات جوفاء، لا تُسْمِنُ ولا تُغني من جوعٍ وكِساء لا يغني من عراء. وبينما كانت الشعارات تصدح، كانت قوافل النزوح تخطُّ بؤسها بين الركام؛ رحلة تيهٍ قسرية يجرُّ فيها الإنسان انكسارَ قلبه قبل بقايا أمتعته، في مقايضةٍ بئيسة بين الشمال والجنوب، وبين الموت والموت. في وقت يعجز الملايين - في مفارقةٍ مخزية- عن إيصال شَربة ماءٍ أو حُفنة دقيقٍ إلى إخوةٍ يشاطرونهم العقيدة والدم؛ لتُستبدل النُّصرة الحقيقية بـ 'استعراضاتٍ هزيلة' لإسقاطاتٍ جوية، تغدو أحيانًا ضريبةً تُدفع من دم الأهل مقابل رمقِ حياة.
إنها 'الطعنة النجلاء'؛ أتت من الأمام بظلم عدوٍّ مجاهر، ومن الخلف بصمت صديقٍ استمرأ الصَّمم عن نداءٍ ربّاني يقرع الأسماع : ﴿وإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾.
وأما الثانية: فحين استعلى هذا المحتل ليدوسَ أحلامَ الحرية، ويرقص على عذابات الأسرى متفنِّنًا في اقتراح صنوف الإعدام؛ من قتل مباشر، أو شنق، أو صعق، في استدعاءٍ ساديٍّ لصور التعذيب الأسدي اللعين البائد.... ثم يُقابَل هذا السقوط الأخلاقي بصمتٍ عربي وإسلامي مُطبقٍ يَشِي بأن الضمير قد أُدرج في قائمة الوفيات، أو دخل في غيبوبةٍ تامَّة لا إفاقةَ منها. كلُّ ذلك يحدث في تجاهل تحذير المصطفى ﷺ: ' ما من امرئٍ يخذل امرًا مسلمًا في موطنٍ تُنتهك فيه حرمته ويُنْتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطنٍ يحبّ فيه نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر مسلمًا في موضع يُنتقص فيه من عِرضه، ويُنتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته' رواه الامام أحمد في مسنده، والبخاري في التاريخ ، وغيرهما.
إن هذا المشهد المرير هو الثمرة المُرَّة لاختياراتنا التي ضيعنا فيها جوهر الأخوّة؛ فالذين يقبعون تحت حمم القصف أو في أقبية الأسر، لم يُساقوا إلى حتفهم عبثًا، بل كانوا 'سياج الشرف' المتبقي لهذه الأمَّة. وحين تدير الأمَّة ظهرها لهم، فهي لا تخذل أشخاصًا فحسب، بل هي تخذل ذاتها، وتفقد كثيرًا من روحها وهويتها.
وفي مفارقةٍ تفتِّت الأكباد، يُغلَق المسجد الأقصى -مسرى الحبيب ﷺ- فتشتاق ساحاته لجبهةٍ ساجدة، بينما تمتدّ يد العدوان من السماء كما الأرض، قتلًا واقتناصًا وتوسُّعًا. ونحن آثرنا القعود، ورضينا بالدُّون، فصدق فينا بحقٍّ قول المتنبي:
مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ ... ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ
ولا عزاءَ لتبرير العجزة الذين صمّوا آذاننا بعبارة: 'ليس باليد حيلة'؛ '! فإن استطاع المرء نصرةً بيده وفعلِه، فذلك ذروة السنام. وإن قصرت يده، فبموقفٍ صادق، أو كلمةٍ ضاغطة، أو سعيٍ يبني الوعي ويُحيي الضمائر. وإن عجز حقيقة، فبالدعاء الصادق في جوف الليل، ذاك السلاح الإلهي الذي استهان به قوم، ولو صدقوا فيه وطهَّروا بواطنهم لفتح الله لهم أبوابًا من النصر لا تخطر لهم على بال.
رغم قتامة الخذلان، ورقصة الشماتة فوق النِّصال، يبقى اليقين الأبلج الذي يسكن قلوب العارفين: أن نور الحق لا يُخمد بقرار، وأن صرخة المظلوم سهمٌ لا يخطئ منتهاه، وأن الله متمُّ نوره ولو كره الكافرون. فالنصر - في ميزان السماء- ليس لمن ملك العُدّة، بل لمن ملك العقيدة، والأوفى عهدًا لربِّ العزة.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
المعتقلون ومرارة الخذلان
صفات القائد الحقيقي في ضوء القرآن الكريم
بين هرمجدون والملحمة الكبرى
جذور الخطّ العربيّ عربيّة
الصِّراط المُستقيم بين الفقه الجامع واللَّغط العقيم