كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
ليس الناسُ سواءً في هذه الحياة؛ فنفوسٌ تستقيم على جادّةِ الحق لتكون لَبِناتٍ في عمران الأرض، وأخرى تنحرفُ في تِيه الغَيّ فتكون معولَ هدمٍ وخراب.
وقد خلق الله الإنسان لغايةٍ سامية، تقوم على العبادة والاستخلاف، ليبني لا ليُفسد، وليُحيي معاني الحق لا ليطفئها. غير أن واقع البشرية منذ فجر التاريخ كان ميدانًا للصراع بين مَن يحملون مشاعل النور، ومن يسعون لإغراق الأرض في العتمة، ليغدو التدافع قانونًا لا بديل عنه لصيانة الوجود.
ومن هنا كانت الشهادة منزلةً استثنائية، لا تُمنح لكل أحَد، بل يختص الله بها من اصطفاهم لمرتبةٍ عالية، حتى قرَنهم بالنبيين والصديقين والصالحين في قوله تعالى:
﴿فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾.
فالشهادة ليست موتًا عابرًا، ولا خسارةً مجردة في ميزان الدنيا، بل انتقالٌ من ضيق الفناء إلى سَعة الخلود، ومن حدود الجسد إلى امتداد الرسالة والأثر.
ولعل أعظم ما يمكن أن يقدِّمَه الإنسان في سبيل مبدأ يؤمن به هو نفسُه؛ إذ لا تضحية تعلو على بذل الروح. ولهذا كان الشهداء في ذروة العطاء الإنساني؛ لأنهم لم يبذلوا فائضًا من مالٍ أو وقتٍ أو جهد، بل بذلوا الحياة ذاتها، حين رأوا أنَّ بقاء الحق، وحماية الناس وصيانة الكرامة لا تتحقق إلا بالوقوف في وجه الطغيان ولو كلّفهم ذلك أرواحهم.
وقد يستشكلُ بعضُ الناس هذا المعنى، فيتساءلون: إذا كان الله قد خلق الإنسان ليعمرَ الأرض، فكيف يُمدح الموت ويُعظَّم؟
والجواب أن الأصل في الإنسان أن يحيا، وأن يعبد ربّه، وأن يعمر الأرض، وأن يبني الحضارة ويقيم العدل، فالحياة قيمة كبرى في الإسلام، والموت ليس غايةً تُطلب لذاتها. غير أن هذه الحياة نفسها قد تتعرض أحيانًا لعدوانٍ يريد اقتلاعها من جذورها، فتظهر فئةٌ تسعى في الأرض فسادًا، تستبيح الدماء، وتهدم البيوت، وتذلّ الشعوب، وتمنع الناس من حقهم في الحرية والكرامة والعبادة. هنا يصبح دفع هذا الفساد واجبًا، ويغدو الوقوف في وجه الخراب ضرورةً لحماية معنى الحياة ذاته.
وعندها لا تكون الشهادة نقضًا لفكرة العمران، بل تصبح من أعظم أسباب العمران؛ لأن التضحية بالفرد قد تكون سبيلًا لإنقاذ أُمّةٍ بأكملها من الذل والانكسار. فكم من شهيدٍ مات جسدًا، لكنه أحيا أُمّةً بأسرها! وكم من روحٍ ارتقت، فتركت خلفها أجيالًا ترفض الركوع، وتحمل في ذاكرتها معنى العزة والكرامة لعقود طويلة.
ومن هنا نفهم العمقَ الهائل في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
فالحياة ليست مجردَ نبضٍ بيولوجي، بل قد يحيا الإنسان بأثره أكثر مما يحيا بجسده، وقد يموت وهو يمشي بين الناس إذا عاش بلا قضية ولا معنى.
وخلفَ مشاهد البطولة التي تلتقطها العدسات، وتحت الهتافات التي تودّع الشهداء كالأبطال، ثمة عالم آخر بالغ القسوة، قلّما يُلتفَت إليه؛ عالَم القلوب المكسورة التي تركها الشهيد خلفه. فالشهيد أفضى إلى رحمة الله، وربح ما يرجوه المؤمن من الكرامة، أما أهلُه فتُركوا يصارعون ألَمَ الفَقْد كل يوم، ويواجهون فراغًا لا يسده شيء.
إن مصيبة الموت لا تقع على الميت، بل على القلوب التي كانت تتكئ عليه، ولذلك عبّر القرآن بدقةٍ بالغة بقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ فجعلَ المصيبة للأحياء الذين بقُوا يتجرعون مرارةَ الغياب.
وأي قلبٍ أشد احتراقًا من قلب أمّ؟
أمّ حملته جنينًا بين أضلاعها، وسهرت على مرضه، وخافت عليه من نسمة الهواء، ثم رأتْهُ يكبر أمام عينيها عامًا بعد عام، حتى صار شابًّا يملأ البيت حياةً وضَحِكًا وأملًا. كانتْ تؤجّل أحلامها لأجله، وتقتطع من راحتها وصحتها ما تمنحه له، ثم فجأة تمتد يدُ الموت فتختَطِفُه منها دفعةً واحدة، كأن الزمن انكسر في لحظة.
يا له من امتحان يفوق طاقة الكلمات!
ثم كيف إذا لم يكن الفَقْد واحدًا، بل اثنين وثلاثة وأربعة؟! كما رأينا في مواقف "خنساوات عصرنا"، زوجات كثير من الشهداء والقادة من ماجدات الشام وفلسطين ومصر والعراق...
أيُّ طينةٍ هذه التي قُدَّت منها تلك القلوب؟! وكيف ينحني الألم أمام صمود امرأةٍ ثَكْلى تقف فوق الركام لتلطمَ وجهَ الطغاة بكلمة واحدة: " والله لن نتنازل ولن نتغيّر ولن نتبدل... "؟
كيف يمكن لقلب امرأة أن يتحمل أن يُنتزع فلذات أكبادها واحدًا تلو الآخر؟ وكيف تبقى واقفة بعد كل هذا النزف؟
ومع ذلك، فإن أعجب ما في هذه الأُمّة أنها تنجبُ في أزمنة المِحن نساءً يشبهن الخنساء في صبرها، لكنهن يعشن المأساة ولا يصِفنها فحسب. رأينا أمهاتٍ في سورية وفلسطين وغيرهما يودِّعن أبناءهن تباعًا، ثم يقفن أمام الكاميرات لا بانكسار المهزوم، بل بكبرياء المؤمن، يقلن بثباتٍ مدهش: لن نتراجع، لن نساوم، لن ننكسر.
ذلك ليس تبلُّدًا في المشاعر، ولا غيابًا للألم، بل هو الإيمان حين يبلغ أعماق القلب، فيحوّل الوجع إلى معنى، والفقد إلى يقين، والدمعة إلى صبرِ محتسِبٍ. فالمؤمن يحزن، ويبكي، ويتألم، لكنه يعلم أن الموت ليس نهاية الطريق، وأن مَن سبقوه إلى الله لم يَضيعوا، بل انتقلوا إلى عدلٍ كامل ورحمةٍ لا تزول.
ولهذا كان الإيمان أعظمَ ما يحفظ التوازن النفسي للإنسان في أوقات الكوارث؛ لأن الذي يؤمن بالله والآخرة لا يرى الفَقْد عبثًا، ولا يعتبر التضحية نهايةً سوداء، بل يراها جزءًا من حكمةٍ إلهية كبرى تتجاوز حدود الرؤية الضيقة للدنيا.
إن النساء اللواتي ودّعن أبناءهن بصبرٍ واحتساب، كما الشهداء الذين بذلوا أرواحهم، هنّ اللواتي يحفظن للأُمّة كرامتَها حين يحاول الطغاة إذلالها. وبمثل هذه التضحيات يبقى للدين نورُه، وللحق هيبتُه، وللأجيال القادمة ميراثٌ من العزة والكرامة.
أما القَتَلة والطغاة، فمهما امتلكوا من سلاحٍ وقوة، فإنهم يبقَوْن محاصرين بلَعنةِ الدم البريء؛ لأن التاريخ لا يُخلّد الجلّادين إلا بوصفهم وصمةَ عار، بينما يخلِّد المظلومين بوصفهم ضمير الإنسانية الحيّ. وهكذا تمضي السُّنن الإلهية: يرحل الطغاة مثقلين بالخِزْي، بينما يبقى الشهداء أحياءً في ذاكرة الأرض، وأحياء عند ربهم يُرزقون.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
خلفَ أستار الوجع: جلالُ الشهادة وصمود الخنساوات
مرافئ الطمأنينة لقلب كل عزباء
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السادس عشر
المراهق ووسائل التواصل: إدمان خطير وآثار مدمِّرة
عيد العمال.. بين الواقع والظلال