مرافئ الطمأنينة لقلب كل عزباء
عزيزتي العزباء؛
أعلم أنَّكِ تتوقين شوقًا لتملئي فراغًا يزداد اتساعًا كلّما تقدّمتِ في السنّ، وأنّكِ ترغبين بإكمال نصف دينك وإنشاء أسرة آمنة مطمئنة، وأنّكِ تريدين حُبًا حلالًا يكون سندًا وسكنًا لكِ كلّما عصفت بكِ هموم الحياة ومآسيها.
أعلم أنّكِ تشعرين بجفاف عاطفي تزداد حدّته كلّما رأيتِ الفتيات مِن معارفك؛ هذه خُطبت، هذه تزوّجت، وتلك أنجبت. أعلم أنكِ ربما تسألين: يا تُرى ماذا ينقصني أنا، أو متى يجيء دوري، أو هل أنا لستُ مرغوبة؟ دعي عنكِ هذه الأسئلة كلّها..
اقرئي هذه الكلمات عساها تخفّف عنكِ شيئًا مما تعانين منه..
أولًا: اليقين بحكمة الله
كي يطمئن قلبك، أيقني أنّ زواجَك بيد الله سبحانه وتعالى، وهو الذي لا يعجزه أن يأتي لكِ بزوج صالح وبالمواصفات التي ترجينها، بل وأكثر مما رجَوْتِ، لكنه لم يُرد بعد أن تدخلي في هذه المسؤولية؛ لعلّه بسبب عدم جهوزيّتك لتحمّل أعباء الزواج، لعلّه رأفة بكِ كي تنجزي بعض الأمور التي تحتاج تفرّغًا ووقتًا قبل الزواج، لعلّه يريد منكِ قضاءَ وقتٍ أطول مع أهلك كي تعاونيهم وتبرّيهم، لعلّه سبحانه أراد لكِ أن تنظري إلى تجارب قريناتك اللاتي تزوّجن فتستفيدي منها حتى إذا تزوّجتِ تقلّصَت المشكلات، ولعلّ هناك أسبابًا أخرى خُفيت علينا..
الله يعلم كلّ ما تمرّين به يا عزيزتي، وهو أرحم بكِ من أمّك. أرأيتِ أمّك الرحيمة بك والحنون عليك والتي لا تُحبّ أن ترى حُزنَكِ، أرأيتِ لو كان باستطاعتها أن تجدَ لكِ صاحبَ الخُلق والدين، أتتأخّر؟
فما بالك بالذي هو أرحم بكِ من أمّك؟! هو قادر أن يأتي به اليوم، لكنه سبحانه هو اللطيف الخبير، العليم الحكيم، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، الأمر عنده، ليس عند أحد سواه!
ثانيًا: الدنيا دار ابتلاء
قد تسألين: إذًا، لِمَ لا ينظر الله إلى حالي فيلطف بي ويجبر كسري ويرزقني كما رزق الفتيات؟
يا حبيبة هذه دنيا، كلُّ مَن فيها مبتلى، الأنبياء هم أعظم خلق الله وأحبّهم إليه سبحانه، وهم أشدّ الناس بلاءً.
لو حلّ بعبد مرضٌ عُضال أيس منه الأطباء، هل له أن يقول: يا رب عافيتَ جميعَ خلقك إلّا أنا؟ هذا ابتلاء، اصطفى الله هذا العبد كي يكفّر عنه سيئاته ويرفع درجاته، أو يصرفه عن شرّ أعظم.
وهكذا كلّ إنسان، يمرّ بابتلاءات تختلف عن ابتلاءات غيره؛ لأنّ كلّ إنسان أعطاه الله قدرةً على التحمّل ليس بالضرورة أن تكون موجودة عند الجميع.
أرأيتِ مَن رزقها الله بزواج، ثم طُلّقت؟ أو التي سُجن زوجها؟ أو توفي؟ أو أُبعد عنها؟ أو التي رُزقت بطفل مريض تراه يتألّم أمام عينيها ويتفطّر قلبُها كلّما سمعتْ أنينه؟ أو التي ابتُليت بعدم صلاح أولادها وتتعذّب نفسيًا؟ أو التي تزوّجت قبل نُضجها فعانت معاناة شديدة حتى تأقلمت؟
يا عزيزتي ليس ثمّة إنسان على وجه الأرض صفت له الدنيا من كلّ الجوانب، اصبري على هذا الابتلاء، ففي هذه المِحنة مِنحةٌ عظيمة لمن تفطّنت!
ثالثًا: اغتنام نعمة الفراغ
وقتُك الآن لكِ، ولو سألتِ المتزوّجات مِن حولك: ماذا كنتِ ستنجزين قبل الزواج؟ لقالت لكِ: حفظ القرآن عن ظهر قلب، طلب العلم، حضور الدورات التأهيلية، قراءة كتب في مجالات متنوّعة، الاهتمام بنفسي أكثر.
والله أنتِ في نعمة عظيمة قال عنها رسول الله ﷺ: "نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس، الصّحةُ والفراغ" (رواه البخاري). فاسمعي كلام سيّدك ﷺ، واغتنمي..
والوقتُ أنفس ما عُنيتَ بحفظه... وأراه أسهلَ ما عليك يُضيَّعُ
اجلسي جلسة صادقة مع نفسك، حاولي أن تعرفي عيوبها وأدواءها، حتى تبدئي بتزكيتها وعلاجها. هاتي دفترًا ودوّني عليه أهدافَك الجديدة التي ستحقّقينها قبل الارتباط؛ ستجدين أنها كثيرة يضيق الوقت عنها.
القرآن الكريم: اجعلي الهدف الأول ختم القرآن وإتقانه حفظًا ولفظًا. التحقي بدارٍ لتحفيظ القرآن، وجِدي لكِ صُحبةً صالحةً تعينُك في هذه الرحلة المباركة. القرآن هو خيرُ أنيسٍ وجليس، كما قال الحسن البصري رحمه الله: "وعلمتُ أن الطريق موحِش، وليس معي أنيس؛ فحفظت القرآن".
طلب العلم: عيشي مع الكتب النافعة، اطلبي العلم الشرعي وتفقّهي في دينك، واحفظي المتون والأشعار. أخرجي لنا بنتًا مثقفةً واعيةً جاهزةً لأن تصبح ربّة منزل بإذن الله تعالى.
البرامج العلمية: اشتركي بالبرامج العلمية المتوفرة؛ سواء في اللغة العربية، الفقه، أو تأهيل المقبلات على الزواج.
بر الوالدين: برّي أمّك وأباك واكسبي رضاهما، عاوني أمّك في أعمال المنزل، وابتسمي في وجه إخوتك.
العبادة والخلوة: لا تتركي نافلةً تستطيعين فعلها إلا وتفعلينها. وقومي الليل، سلي الرزّاق المنعم أن يؤنس وحشتك، ويرزقك زوجًا صالحًا مصلحًا يأخذ بيدك إليه سبحانه، وذرية صالحة تقرّ بها عين النبي ﷺ.
ختامًا:
الكلام في هذا يطول، لكن أكتفي بهذا لعلّني أكون قد خفّفتُ عنكِ قليلًا، وفتحتُ عينكِ على هذه النعمة التي أنتِ فيها، حتى نغتنم هذه الفترة ما استطعنا، ونرشد غيرنا إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




مرافئ الطمأنينة لقلب كل عزباء
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السادس عشر
المراهق ووسائل التواصل: إدمان خطير وآثار مدمِّرة
عيد العمال.. بين الواقع والظلال
أبناؤنا بين براءة الطفولة وسندان الترند