ضحى رياض الظريف، من لبنان ـ صيدا، أستاذة لغة عربية، حائزة على إجازة في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية.
أبناؤنا بين براءة الطفولة وسندان الترند
خلف شاشاتنا الباردة، ثمة ضجيج من نوع آخر؛ ضجيج يسرق أثمن ما نملك دون أن نشعر. ليس المال ولا الوقت فحسب، بل هي براءة أطفالنا التي باتت تُذبح يوميًا على أعتاب "الترند" و"اللايكات".
لطالما كانت الطفولة مرادفًا للعفوية، لكننا اليوم، وبدوافع قد تبدو في ظاهرها "حب استكشاف" وفي باطنها بحث محموم عن الإثارة والتقليد، جعلنا من أطفالنا أبطالًا في مسرح لا يفقهون خطورة نصوصه. تحول الطفل من كائن ينمو بعيدًا عن الأضواء، إلى لاهثٍ خلف "تحدّيات" رقمية قد تودي به وبأهله إلى المهالك.
إن ضريبة البحث عن "الإثارة" الرقمية وصلت إلى مستويات مرعبة تهدّد الأمن الشخصي والعام. ولعل ما تناقلته المواقع الإخبارية مؤخّرًا عن حادثة قيام تلميذة بالاتصال بجهة خارجية للإبلاغ عن وجود شيئًا ما داخل صرح تعليمي، تزامنًا مع ظروف أمنية حساسة، هو خير دليل على حجم الكارثة.
تلك الحادثة التي انتهت بتدخل الأجهزة الأمنية وتوقيف الطالبة ووالدها رهن التحقيق، ليست مجرد "طيش أطفال"، بل هي صرخة تحذير حادة. هي نتاج طبيعي لجيل بات يرى أن "لفت الانتباه" و"خلق الحدث" هو الغاية الأسمى، حتى لو كان الثمن ترويع الزملاء ووضع النفس والأهل تحت طائلة القانون. هنا يسقط سندان الترند بكل ثقله ليهشم براءة الطفولة ويحولها إلى مسؤولية جنائية.
عندما يرتبط شعور الطفل بقيمته الذاتية بمدى قدرته على إحداث "ضجّة" أو محاكاة ما يراه في الفضاء الرقمي، فنحن نبني جيلًا هشًّا يخلط بين المزاح والجريمة، وبين البطولة والتهوّر. إنّ التربية في هذا الزمن تتطلّب وعيًا استثنائيًا؛ شجاعة المراقبة لما يتابعه أطفالنا، والقدرة على شرح الفرق بين العالم الافتراضي والواقع الذي لا يرحم.
ألا يحقّ لهذا الصغير أن يكبر بعيدًا عن غرف التحقيق والقلق الأمني؟ إن ما يراه الطفل "تحدّيًا" (Challenge) عبر الإنترنت، قد يكون في الواقع شرارة تحرق مستقبله. إننا أمام جيل يحتاج منا أن نعيد زرع قيم المسؤولية في وجدانه، ونعلمه أن شاشة الهاتف ليست ملعبًا يعفيه من الحساب.
دعونا نُعِدْ ترتيب الأولويات. لنعيدَ لأطفالنا حقّهم في "العقلانية"، وفي أن يكونوا أطفالًا يدركون حدود التصرف المسؤول. لنحمِ تلك البراءة من مخالب الشهرة الزائفة والتقليد الأعمى للمحتوى العبثي، ولنتذكر دائمًا أن دورنا كآباء هو أن نكون "البوصلة" التي توجّههم، لا "المتفرجين" الذين يباركون اندفاعهم نحو الهاوية.
أبناؤنا أمانة، والترند زائل.. فلا تجعلوا لحظة طيش رقمية تحطّم حياة بأكملها. لنكن نحن السّدّ المنيع الذي يحمي عقولهم، لا الجسر الذي يعبرون عليه نحو الضياع.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
الكلمات الدالة : براءة الأطفال ترند شهرة ظهور الإنترنت حدث أمني التربية - مسؤولية- الطفل- الأهل طيش ضياع
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




أبناؤنا بين براءة الطفولة وسندان الترند
الشاهدُ العظيم.. في براءةِ أمِّ المؤمنين
كيف نربي أبناءنا على عقيدة التوحيد؟
هِــيَ الــحَــرب
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الرابع عشر