كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
الإنسان بقلبه، وهو أعزّ ما يملك؛ به يشقى وبه يسعد، وبه ينتقل – إن أراد – من أسر الهمّ والغمّ إلى رياض الفرج والسكينة.
وليس القلب عضوًا عاديًّا، بل هو مدار سعادة الإنسان وسرّ شقائه. وما أدقّ وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم له فيما رواه الشيخان: 'ألا وإنّ في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب'.
ولا ينبغي لعاقل أن يفرّط في قلبه، فيتركه مرتعًا للأضغان فتقسّيه، أو نهبًا للذكريات فتجرّعه المرارة؛ إذ هو أمانةٌ يجب على صاحبها أن يطهّرَها من الزَيغ، وأن يحفظها من الفتن والإغراءات التي تعصف من حوله.
والذي نفسي بيده، ما خُلق قلب ابن آدم ليُستنزف في جمع مال، أو يُستعبد لشهوة عابرة، أو يُشغل بمتعة زائلة، أو يضيق بالثأر والانتقام؛ وإنما الوفاء الحقيقي لهذا القلب أن يحرص صاحبُه على تزكيته، وإحياء حبّ الله فيه، موافقةً للفطرة السويّة التي فُطر الناس عليها.
ومن دواعي ذلك أن تكون لصاحبه هِمّةٌ في تليينه بمداومة الذكر، وإقامة الصلاة، وتلاوة القرآن، والتفكّر في سبل البرّ ونفع الناس، تعبيدًا للطريق الموصلة إلى الله.
ومن سابغ نِعم الله جلّ في علاه أنَّه يفتح لعباده أبواب الأوبة إذا علم منهم صدق الطلب، ومن مقتضى رحمته كذلك أن ربطهم بأزمنةٍ وأمكنةٍ تذكّرهم به سبحانه، وتجذبهم إليه؛ فيغتنمها المريد اليقظ، ويغفل عنها اللاهي، بل يتبرّم بها – واأسفاه – من طُبِع على قلبه.
وما أوحشَ قلبَ المتبرم الجاحد وهو يرى الناس يغشون المساجد يوم الجمعة، ما أوحش قلبه حين تقبل مواسم رمضان والأعياد، أو حين تتحرّك قوافل الحجيج تؤمّ بيت الله الحرام.
فكيف يكون حاله يوم عرفة، وهو يرى الحجيج على صعيد عرفات قد باعوا أنفسهم لله، وتجردوا من لبوس الدنيا، وخلّفوا وراءهم التجارة والمشاغل، وماتت في نفوسهم كل الأحلام إلا حلم الوصول إلى رضا الله؟!
يلبسون لباسًا يشبه الأكفان، وكأنهم يعلنون جهارًا أن الإنسان لا يحمل معه إلى ربّه إلا قلبَه وعمله، ولو استطاع أحدهم أن يفتدي بكل ما يملك ليبلغ رحمة الله ما قصّر.
فما ظنّك بالجاحدين والمنكرين في مثل هذا اليوم المشهود؟! أيكون حالهم إلا كحال إبليس الذي يضيق صدرُه وينحسر، بما يرى من تنزّل الرحمات وفيوض المغفرة؟
فقد روى مالك في موطئه: 'ما رُؤيَ الشيطانُ يومًا هو فيه أصغرُ ولا أدحرُ ولا أحقرُ ولا أغيظُ منه يومَ عرفةَ وما ذاك إلَّا لما يرَى من تنزُّلِ الرحمةِ وتجاوُزِ اللهِ عن الذنوبِ العظامِ، إلَّا ما كان من يومِ بدرٍ فقيل: وما رأَى يومَ بدرٍ؟ قال: أما إنَّه قد رأَى جبريلَ عليه السلامُ وهو يَزَعُ الملائكةَ ـ يصُفُّهم ـ'.
إن يوم عرفة فرصةٌ سانحة لمن كان له قلب حيّ؛ يأنس فيه بالذكر والقرآن والصيام والدعاء وسائر الطاعات. وهو كذلك باب نجاة ومشرع أمل لمن أثقلته الأوزار، وظنّ أن أبواب الرحمة قد أُغلقت دونه؛ لينتفض من غفلته، ويحسن الظن بربه، ويوقن أن الذنوب – وإن عظمت – لا تعجز رحمة الله، وأن الطاعات – مهما كثرت – لا تُدخل الجنة إلا بفضله ورحمته سبحانه.
أيها الغافل عن هذه الفرصة – وفيها عزّك وسؤددك لو تدري – إن أعظم ما يحتاجه الإنسان أن يحسن ظنّه بالله؛ فحسن الظن به سبحانه هو رأس مال السائرين إليه.
واعلم كذلك أن عرفة ليس بقعةً ومكانًا فحسب، بل هو زمانٌ ممتدّ أيضًا؛ فمن حالت بينه وبين الموقف الشريف الأحوال، فإنّ باب الله غير موصد دونه، ورحمة الله لا تحجبها المسافات ولا عوائق المدى.
فعرفة يومٌ من أعظم أيام الله تعالى، أقسم الله به في كتابه العزيز فقال: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. وورد في فضله ما رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: 'ما من يومٍ أكثرُ من أن يعتِقَ اللهُ فيه عبيدًا من النَّارِ من يومِ عرفةَ، وأنه لَيدنو، ثم يباهي بهم الملائكةَ فيقول: ما أراد هؤلاءِ؟' وفي رواية أخرى زاد: 'اشهَدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم'.
فأي نعمة أجلّ وأعظم من هذه النعمة؟!
ومن تمام فضل الله وسعة جوده أن عمّم خير هذا اليوم على من لم يشهد عرفات، فجعل صيامه سببًا لمغفرة سنتين؛ ولأن الحجيج لا يُسنّ في حقهم صيامه، فقد كان هذا الصيام هديةً لحجّاج القلوب البعيدة بأجسادها، القريبة بأرواحها وأشواقها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: 'صيامُ يومَ عرفة، إني أحتسبُ على الله أن يكفِّرَ السنة التي قَبلَه، والسنة التي بعده، وصيامُ يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله'.
يا لها من عطايا سَنيّة! لو فطن لها الإنسان لغيّرت مجرى حياته؛ فالعبد لا يدري، فلعلّ لحظة صدق، أو دمعة ندم، أو نيّة خالصة، تنقله من حالٍ دنيّة إلى حالٍ عليّة شريفة.
فالحياة موحشة قاحلة، ولا تستطيع اللذّات العابرة أن تمنح القلب سعادةً حقيقية، وإنما الذي يملأ جوانحه طمأنينةً وسلامًا أن يعرف ربَّه ويتعلّق به وحده.
ولهذا كلّه...
لا بدّ من قلبٍ حيّ.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
عرفة... لا بدّ من قلبٍ حيّ
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السادس عشر
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الخامس عشر
من إرهاصات الحج العظيم.. عرض وتبيين
أيُّ عشرٍ أظلَّتنا