كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
إنّ من أعظم الفوارق بين الحقائق والشعارات أنّ الحقائق تصمُد عند الامتحان، أمّا الشعارات فتسقط عند أول اختبار. وما أكثر الذين يُحسنون الحديث عن المبادئ، فإذا جدَّ الجدّ كانوا أول المفرّطين بها، وما أكثر القضايا التي أصابها الضررُ من أدعيائِها أكثر مما أصابها من خصومها.
ولعلَّ يوم عاشوراء من أكثر الأيام التي تكشف هذه الحقيقة؛ فقد جمع بين حادثتين عظيمتين، كانتْ كلُّ واحدة منهما امتحانًا للصدق والثبات.
أما الأولى، فنجاة موسى -عليه السلام- وقومه من فرعون وجنده. فقد بدا المشهد يومها وكأنّ أبواب النجاة قد أُغلقت، حتى قال بنو إسرائيل: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. غير أنّ موسى -عليه السلام- لم يأبه بكثرة الجنود ولا بجبروت فرعون، وإنما نظر إلى وعد الله تعالى، فكانت العاقبةُ أن غرق المطارِد ونجا المطرود.
ومن هنا جاء استحباب صيام عاشوراء؛ ليظلَّ هذا اليوم تذكيرًا سنويًا بأنّ الظلم مهما اشتدّ إلى زوال، وأنّ المستبدّ مهما امتلك من أسباب القوة لا يستطيع أن يقف في وجه سُنن الله طويلًا.
أمّا الثانية، فإن عاشوراء يحمل وجهًا آخر من وجوه العِبرة، فقد شهِد بعد ذلك بقرون استشهادَ الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في حادثةٍ ما تزال تلقي بظلالها على تاريخ المسلمين إلى يومنا هذا.
ولعلّ أول ما تكشفُه كربلاء أنّ الحسين -رضي الله عنه- لم يُخذل من أعدائه فحسب، بل خذله قبل ذلك أناسٌ أكثروا من الوعود، وأظهروا الحماسة لِنُصْرَتِهِ، ثم تركوه وحيدًا ساعة احتاج إليهم. ولذلك بقيت الحادثة شاهدةً على أنّ المواقف هي المقياس الصادق للرجال، وأنّ الدعوى لا تكتسب قيمتها من ارتفاع الصوت بها، وإنما من الاستعداد لدفع ثمنها.
ثم جاءت أجيال بعد ذلك، فبدلًا من أن تجعل من كربلاء مدرسةً في مقاومة الظلم والثبات على المبدأ، حوّلتها عند بعض الناس إلى مناسبةٍ لإحياء الأحقاد واستدعاء الخصومات وتجديد الانقسامات. وهنا تتجلى مفارقة مؤلمة؛ إذ يرفع قومٌ اسمَ الحسين -رضي الله عنه- ثم يسلكون طريقًا يبتعد عن القِيَم التي استشهد من أجلها.
فالحسين -رضي الله عنه- لم يكن داعية فُرقة، ولم يكن صاحب مشروع انتقام، وإنما كان صاحب موقفٍ رفض فيه الاستبداد، وتمسك فيه بما رآه حقًا. ومن الوفاء له أن تُستلهم هذه المعاني في مواجهة الظلم والفساد، لا أن تتحول ذكراه إلى وسيلةٍ لبثّ الضغائن بين المسلمين.
وبذلك يكون عاشوراء كاشفًا لحقائق كثيرة؛ فهو يكشف عاقبة الطغيان مهما طال أمدُه، ويكشف قيمةَ الثبات على المبدأ مهما عظمت التضحيات، ويكشف كذلك أنّ أخطر ما يهدد الأمم ليس عدوها الظاهر وحده، بل أولئك الذين يرفعون الشعارات الكبيرة ثم يهدمونها بأفعالهم.
ولهذا فإنّ الأمة أحوج ما تكون إلى أن تستخرج من عاشوراء دروسه الكبرى: الثقة بالله، والثبات على الحق، وصدق الموقف، واجتماع الكلمة. فهذه هي المعاني التي تبني الأمم، أما الأحقاد التي تُورَّث جيلًا بعد جيل فلا تنتج إلا مزيدًا من التصدع والضعف.
لقد مضى فرعون، ومضى قَتَلةُ الحسين، وبقيت العِبرة. وما تزال الأحداث العظيمة تردد الرسالة نفسها لكل جيل: أنّ الحق لا يحتاج إلى ضجيجٍ يحمله، وإنما يحتاج إلى رجالٍ يثبتون عليه.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
عاشوراء... حيث تُمتحن المواقف
البنفسج مَعلمُ جمالٍ وتواضع
كيفية حماية الأبناء من الشذوذ والانحرافات
فجر الهجرة وميلاد الأمّة
كلمة السرِّ للتغيير ونهضة الأمّة