د. رياض علي الحسين
دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن الكريم من جامعة الجنان.
متخصص في التفسير البياني والبلاغة القرآنية.
ما أكثرَ ما يخاف الإنسانُ النهايةَ قبل أن تأتيَه، وما أقلَّ مَن يتأمَّل معناها إذا أتتْه!
يخافُ المرءُ انقضاءَ شبابِهِ، وذبولَ قوَّته، وانتهاءَ أيامه السعيدة؛ كأنَّما الحياةُ نهرٌ إذا بلغ مصبَّه استحالَ إلى العدم، أو كأنما الرحلةُ إذا انتهت ضاع معناها، وما علم أنَّ الأشياء العظيمة لا تُقاس بلحظة أُفولها، وإنما تُقاس بما تركَتْه من نورٍ في طريقها.
ها هي الشمس، إنَّها أعظمُ ما تقعُ عليه عينُ الإنسان في هذا العالم المنظور، ومع ذلك فإنَّكَ لا تراها ترتجفُ حين تميل إلى المغيب، ولا تتردَّد حين تدنو من الأُفق، ولا هي تتعلقُ بأهدابِ السماء خشيةَ الرحيل، تمضي إلى مغربها في سكينة الملوك ووقارهم، ويقين المؤمنين العالِمين أنَّ غروبَ أرواحِهم ليس فناءً، بل موعدٌ مع إشراقٍ جديد.
أتخشى الشمسُ الغروب وهي تحكي لنا سرَّ تجدُّدِ الوجود.؟
إن الذي يعيش لنفسِه وحدَها هو مَن يخافُ النهاية؛ لأنَّه يرى في كل غروبٍ قبرًا لا مبعثَ منه لأحلامِه، أمَّا الذي يعيش لرسالةٍ تتعدَّى ذاته، فإنَّهُ يرى في الغروبِ استراحةَ محارب، لا هزيمةَ منكسِر، ويرى فيه فصلًا من كتابٍ لا تنتهي صفحاتُه بانطواء ورقة منه.
وإن تعجبْ فعجبٌ من إنسانٍ يحزنُ لانقضاء يومه، ولا يفرح بما ملأه من عملٍ صالح، كأنَّ القيمةَ في بقاء الزمن لا في حسن استثماره، وكأنَّ الفضيلةَ كامنةٌ في طولِ العُمُر لا في عُمقِ الأثر، إنَّ الشجرةَ لا تفاخرُ أقرانَها بتعاقُبِ سنينٍ عاشتْها، بل بكمِّ الثمارِ التي منحَتْها للجائعين، والظلالِ الوارِفة التي منحتها للعابِرين والقائلين، والنبعُ لا يعتزُّ بطول جَرَيَانِه، بل بما أروى من الظمأى، وسقى مِن نَبْت، وكذلك الإنسان؛ ليس عمُرُه ما حُدَّ بين ميلاده ووفاته، بل ما بين عطائه وأثره؛ ولهذا كانت الشمس معلِّمةً -بحالِها- من أعظم معلِّمي الحياة، إنَّها تُنفِق نورَها طوال النهار، لا تدَّخِرُ منه شُعاعًا للغد، ولا تسألُ الأرضَ: ماذا أعطيتِني مقابلَ ما أعطيتُك؟ ولا تنتظرُ شكرًا من زهرةٍ تفتَّحت، ولا ثناءً من حقلٍ اخضرَّ، ولا عِرفانًا من بحرٍ تلألأ على صفحته شُعاع الذهب، هي تؤدي رسالتها ثم تمضي، وكأنَّها تعلم أنَّ المِعطَاءَ الحقَّ لا يلتفت إلى الجزاء، فإذا أقبل المساء، وبدأت الألوانُ تنسحبُ من أطرافِ السماء، رأيتَها تغيبُ كما يغيب العظماء بعد إتمامِ عظيمِ إنجازِهم، لا صخبَ وداعٍ لديها، ولا أنينَ شكوى، ولا مرارةَ أسفٍ لرحيلها، إنَّها تغرُب، لكنَّها تتركُ خلفَها شَفَقًا جميلًا، كأنَّها تقولُ للأرضِ وأهلِها: إنَّ أجملَ ما في الرحيلِ أثرٌ يبقى بعد الراحلين.
وهكذا الناس، فكم من رجلٍ عاشَ طويلًا فلم يشعرْ به أحد، وكم من رجلٍ عاشَ قليلًا فملأ الدنيا حضورًا بعد غيابِه؛ لأنَّ الحياةَ ليستْ حسابَ عَدٍّ للأيام، وإنَّما هي حسابٌ للمعاني، والزمن لا يخلِّد الأجساد، وإنَّما يخلِّد الآثار.
ولعلَّ أعظمَ ما ينبغي تعلُّمُهُ من الشمس أنَّها لا تنظرُ إلى غروبها بعينِ الخوف، بل بعينِ الثقة، فهي تعلم أنَّ الليل ليس عدوًّا لها، بل هو شريكٌ في نظام الكون؛ وأنَّ الظلمة ليست نقيض النورِ دائمًا، بل هي المهدُ الذي ينتظرُ مولدَ الفجر، وهكذا المؤمنُ بحكمةِ الله، والعارفُ برسالته في الحياة؛ لا يخشى تغيُّر الأحوال، ولا يجزعُ عند انقضاءِ المراحل، ولا يأسى على ما فاتَ أسى العاجزين؛ لأنّه يعلمُ أنَّ لكلِّ شروقٍ غروبًا يَعقُبُه، ولكلِّ غروبٍ شروقًا آخر، وأنَّ سُنَّة الله جاريةٌ أبدًا.
أمَّا أنتَ فإذا رأيتَ الشمسَ مائلةً إلى المغيب، فلا تنظرْ إليها نظرةَ الوداع، ولكن اِنظُر إليها نظرةَ المتأمِّلِ بغدٍ مُشرِق، متعلِّمًا من حالِها، وتأمَّل ذلك القُرصَ العظيمَ وهو يغوصُ في الأُفُق دونَ خوفٍ أو تردُّد، ثم قلْ في نفسِك: هكذا ينبغي أن تكونَ النفوسُ كبيرةً؛ تؤدّي رسالتَها كاملةً غيرَ منقوصَةٍ، وتنفقُ نورَها حتى آخرِ شعاع، ثم تمضي مطمئنةً؛ فالشمس لا تخشى الغروب.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
د. رياض علي الحسين
دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن الكريم من جامعة الجنان.
متخصص في التفسير البياني والبلاغة القرآنية.
الشمسُ لا تخشى الغروب
لماذا شبّه القرآن الغافلين بالأنعام؟ تأملات في معنى الإنسان ووظيفته
الرحمة ركيزة الإصلاح في الإسلام
أثرُ الصَّلاةِ في سعادةِ الدِّينِ والدُّنيا
عاشوراء... حيث تُمتحن المواقف