أثرُ الصَّلاةِ في سعادةِ الدِّينِ والدُّنيا
لم يأتِ في كتابِ اللهِ العزيزِ ولا في سُنَّةِ النَّبيِّ المُصطفى الأمينِ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- أكثَرُ ذِكْرًا واعتبارًا واهتمامًا من الحديثِ عن فريضةِ وعبادةِ الصَّلاةِ؛ وذلكَ أنَّ التَّعريفَ بها وبمُرادِها يجعلُ الأمرَ أوضحَ لمَن أرادَ كُنْهَ سِرِّ ذلكَ المقامِ الرَّفيعِ لها، المُميَّزِ من بينِ سائرِ العباداتِ. وهذا أوَّلًا، وثانيًا: في مكانِ فَرْضيَّتِها، وثالثًا: في عظيمِ التَّرغيبِ بها والتَّرهيبِ من تركِها أو التَّهاونِ فيها، ورابعًا: في أثرِها على الفردِ والمجتمعِ المُسْلِمِ وصولًا إلى الأمَّةِ كلِّها، في تحقيقِ السَّعادةِ في الدِّينِ والحياةِ معًا.
وقد يقولُ قائلٌ: الصَّلاةُ هي بتعريفِها -أوَّلًا- صِلَةٌ بينَ العبدِ وربِّهِ، أو في تعريفٍ آخرَ: مِعراجُ المؤمنِ إلى خالقِهِ إنْ لم يكن بجسدِهِ فبروحِهِ، فَلِمَ الحديثُ إذنْ عن هذهِ المؤثِّراتِ الكبيرةِ للصَّلاةِ وعظيمِ الاهتمامِ بها؟ فالجوابُ عن ذلكَ السُّؤالِ ينقُلُنا إلى أنَّ كلَّ فرائضِ الدِّينِ من صيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ -مِن دونِ الشَّهادتينِ لأنَّهما مفتاحُ إسلامِ العبدِ بالضَّرورةِ- أقولُ: إنَّ هذهِ الفرائضَ لم تُفْرَضْ في السَّماءِ بل في الأرضِ بالوحيِ المُنَزَّلِ على قلبِ رسولِ اللهِ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- إلَّا الصَّلاةَ؛ فإنَّها فُرِضَتْ من فوقِ سَبْعِ سَمَاواتٍ، فهذه إشارةٌ أُولى لمكانَتِها العليَّةِ.
وقد انتقلَ هذا المقامُ العالي للصَّلاةِ مع نزولِ القرآنِ مُنَجَّمًا، وفيه من الآياتِ المُحْكَماتِ الدَّالَّةِ على عظيمِ شأنِ الصَّلاةِ ما يَرْبو على ثمانينَ آيةً؛ ما بينَ الأمرِ بها في قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}، وقوله تعالى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}.
وما بينَ التَّرغيبِ بالحفاظِ عليها والخشوعِ فيها، مع لفتِ النَّظرِ إلى أهمِّيَّةِ الأُولى على الثَّانيةِ، مع أنَّها تَبَعٌ لها، ولكنْ بدونِها تفقدُ الصَّلاةُ الكثيرَ من درجاتِ الحسناتِ عندَ صاحبِها؛ وذلكَ نجدُهُ في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}، فما الثَّوابُ عندها مع باقي ما اجتمعَ ذِكْرُهُ مع الصَّلاةِ هنا؟ {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
وأمَّا التَّحذيرُ من تركِها والتَّهاونِ فيها فلا يَقِلُّ ذِكْرُهُ عمَّا فيه من عظيمِ أجرِها والمحافظةِ عليها. ومِن أعظمِ تلكَ الآياتِ في التَّخويفِ من التَّهاونِ في الصَّلاةِ -بالسَّهْوِ والتَّأخيرِ والجمعِ بينَ الصَّلواتِ بلا عُذْرٍ- قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}. ويحضرُني في هذا المقامِ ما قالَهُ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ -إمامُ أهلِ السُّنَّةِ رحمه الله- حيث يقولُ: "الحمدُ للهِ الذي قالَ في سورةِ الماعونِ: {عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} ولم يَقُلْ: {فِي صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}"، ولا شكَّ أنَّ الفرقَ كبيرٌ.
والآيةُ الثَّانيةُ التي تحملُ وعيدًا شديدًا وتخويفًا وتَرهيبًا بتركِ الصَّلاةِ كليًّا مع بعضِ المنهيَّاتِ الأخرى، نجدُها في قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} مع عظيمِ المقترفاتِ بعدها: {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}، فإنَّ تقديمَ تركِ الصَّلاةِ يدلُّ على عظيمِ أهمِّيَّةِ هذهِ الفريضةِ وفداحةِ وِزْرِ تاركِها.
ولا شكَّ أنَّ أجرَ الصَّلاةِ وثوابَها في الدِّينِ عظيمٌ عندَ اللهِ تعالى وهو سبحانَهُ يُقَدِّرُهُ لعبادِهِ، وأمَّا الآثارُ المُتَرَتِّبَةُ على أداءِ الصَّلاةِ في صفاتِ المؤمنِ فإنهَّا كثيرةٌ لا يمكنُ حصرُها، وتتعدَّى الدِّينَ إلى الدُّنيا ونعني بها الصِّفاتِ الخُلُقيَّةِ والمعاملاتِ، وهو ما أشارتْ إليهِ الآيةُ الكريمةُ في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}.
وهذا يعني صراحةً أنَّ الصَّلاةَ -وهي عبادةٌ مفروضةٌ بذاتِها- إذا فَقَدَتْ مقاصِدَها والغايةَ المطلوبةَ منها في حياةِ المؤمنِ، يُصبِحُ عندها مِمَّنْ قالَ فيهم رسولُ اللهِ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «كَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا التَّعَبُ وَالنَّصَبُ»؛ فالصَّلاةُ ليستْ حركاتٍ ميكانيكيَّةً يُرادُ بها تحريكُ البدنِ كمحرِّكاتٍ صمَّاءَ تَعْلو وتَنْخَفِضُ من دونِ روحٍ ولا مشاعرَ، وليستِ الصَّلاةُ مِمَّا يُرادُ بهِ إسقاطُ الفرضِ كعادةٍ يوميَّةٍ روتينيَّةٍ على قاعدةِ "أَرِحْنا منها" وليسَ "أَرِحْنا بها"، والفرقُ هنا بينَ الميمِ والباءِ كبيرٌ!
والسُّؤالُ الذي يفرضُ نفسَهُ: هل هناكَ أثرٌ للصَّلاةِ في تنظيمِ أُمورِ النَّاسِ في حياتِهم اليوميَّةِ الدُّنيويَّةِ؟ والجوابُ: نعم، فإنَّ مِمَّا يُسْتَنْبَطُ من نظامِ أوقاتِ الصَّلاةِ -من الفجرِ إلى العشاءِ- ما لا ينتبِهُ إليهِ إلَّا مَن عَقَلَ جَدْواهُ في نظامِ عَمَلِهِ اليوميِّ؛ فهناكَ صلاةُ الفجرِ التي ينبغي القيامُ لها وأغلبُ النَّاسِ نيامٌ، ممَّا يَمنحُ المُصلِّي الهمَّةَ والنَّشاطَ والتَّبكيرَ للسَّعيِ في العملِ وطلبِ الرِّزقِ، وفي الحديثِ الصَّحيحِ: «بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»، فهنا قد اجتمعَ الخيرانِ معًا: خيرُ الدِّينِ بالصَّلاةِ، وخيرُ الدُّنيا بالعملِ. ومِن آثارِ الصَّلاةِ في نظامِ وقتِها المعهودِ والموقوتِ ما يُفيدُ بأهمِّيَّةِ مراعاةِ الوقتِ في العملِ الدُّنيويِّ، كما تجبُ مراعاةُ وقتِ الصَّلاةِ بأدائها في وقتِها والتَّبكيرِ إليها من دونِ تكاسُلٍ ولا تأخيرٍ.
وأمَّا مَن يسألُ عن السَّعادةِ في الصَّلاةِ أينَ هي؛ أفي قيامٍ، أم ركوعٍ، أم سجودٍ، أم في كلِّ حركاتِها وسكناتِها؟ فنقولُ: إنَّ الصَّلاةَ كلَّها سعادةٌ، ولذَّةُ المُناجاةِ لن تجدَها كاملةً إلَّا في الصَّلاةِ، إنَّها السَّعادةُ التي وصفَها حبيبُنا محمَّدٌ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- بقولِهِ: «...وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ». وليسَ هناكَ حالٌ يكونُ فيهِ العبدُ أكثرَ قُرْبًا من ربّه من حاله وهو ساجدٌ في صلاتِهِ: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}.
وما قدَّمناهُ هو غَيْضٌ من فَيْضٍ ممَّا ينبغي الخوضُ فيهِ من عظيمِ قَدْرِ فريضةِ الصَّلاةِ، والتي كانَ لا يعرفُ قَدْرَها بالدَّرجةِ الأُولى إلَّا مَن نُزِّلَتْ وفُرِضَتْ عليهِ، ثمَّ على أُمَّتِهِ، سيِّدِنا ونبيِّنا محمَّدٍ عليهِ أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ؛ حيثُ وصفتْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ حالَ رسولِ اللهِ إذا حضرتِ الصَّلاةُ فتقولُ ما معناه: «كان رسولُ اللهِ يُحدِّثُنا ونُحدِّثُهُ... فإذا حضرتِ الصَّلاةُ فكأنَّهُ لا يعرفُنا ولا نعرِفُهُ»، وقولُهُ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- لبلالٍ عندَ حضورِ الصَّلاةِ: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ»، وأيُّ راحةٍ أعظمُ من أنْ تَقِفَ بينَ يَدَيِ اللهِ؟ والصَّلاةُ وصيَّةُ اللهِ للأنبياءِ جميعًا، وقد قالَ القرآنُ في حقِّ نبيِّ اللهِ عيسى عليه السَّلامُ: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}.
جعلَنا اللهُ وإيَّاكُم مِمَّنْ حفظوا ما فرضَهُ اللهُ عليهم فحَفِظَهُم اللهُ في الدُّنيا والآخرةِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




أثرُ الصَّلاةِ في سعادةِ الدِّينِ والدُّنيا
عاشوراء... حيث تُمتحن المواقف
البنفسج مَعلمُ جمالٍ وتواضع
كيفية حماية الأبناء من الشذوذ والانحرافات
فجر الهجرة وميلاد الأمّة