زينة عابرة.. أم صحيفة عامرة؟
مما ابتلينا به في هذا الزمن، خروج النساء وهنّ يضعن مساحيق التجميل على وجوههنّ وطلاء الأظافر، حتى غدا هذا الأمر عادياً لا إشكال فيه.. وعدم وضع المكياج في المناسبات عيب ولا يليق بأنثى مرتبة مهتمة بنفسها!
آهٍ آه، كيف ستقنع نساء هذا الزمن أنّ هذا من التبرّج المنهي عنه شرعاً، أو كيف ستقنعهنّ بالرجوع إلى المظهر الطبيعي الجميل الذي خلقهنّ الله عليه، فعلاً لستُ أدري!
حيث وصل بنا الحال إلى أن يقال: (معقول! هذا عيد أكيد سأتزيّن، أريد أن ألتقط صوراً جميلة) (ولَوو! خطبة فلانة ولا أتجمّل؟ عرس أخي ولا أضع مكياجاً؟)
مع الأسف، هذه قناعة الكثيرات، قد لا يضعن شيئاً على وجوههنّ في الأيام العادية، لكن في المناسبات هو أمر لا بدّ منه، وهو من أركان التجمّل الذي يبطل بعدمه الحفل أو الفرح بالعيد!
لا أريد أن أنغّص على النساء فرحهنّ بالعيد، لكن كذلك، نحن مأمورون بالتبليغ والنصح: {ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}.
والغفلة عن هذه المشكلة زادت من حدّتها وكثّرت من انتشارها في بلادنا..
فالمكياج حرام إظهارُه للرّجال الأجانب في الأيام العادية وفي المناسبات والأفراح وأياً كان، والشريعة الغرّاء لم ترخّص في هذه المسألة تماشياً مع الموضة ومشاعر النساء، إلّا في حالة الفصل التام بين الرجال والنساء؛ بحيث لا تظهر المرأة على غير محارمها أبداً ولا لهنيهة.. ففي هذه الحالة لا حرج عليها أن تتزيّن كما تشاء بشرط أن تراعي الحدود الشرعية في عورة المرأة أمام أختها..
ولا أرى في ذلك تشدّداً، غير أن النساء -وحتى البنات الصغيرات- اعتدن وضع المكياج على وجوههنّ عند الخروج من المنزل، فما عادت ترى نفسها جميلة بدونه وهذه طامة؛ لأنه فضلاً عن أنه حرام، تزعزعت ثقةُ المرأة بنفسها، وأصبح المكياج جزءاً من هويّتها لا ينفكّ عنها! فصار عندها الفونديشن الخاص الذي يناسب لون بشرتها، وأحمر الشفاه الذي يليق لونه بشفتيها! والرّموش الطويلة التي كثّفتها الماسكارا، والآيلاينر الذي يزيد جمال العيون... فإنا لله وإنا إليه راجعون! مثل هؤلاء كيف ننتزع هذه القناعة السيئة من عقولهنّ؟ وكيف نحبّبهنّ بالجمال الطبيعي، بل كيف ينظرن إليه على أنّه جمال أصلاً؟! بعد أن انتزعت صيحات الموضة هذه الثقة من النساء، ونرى بعض المشهورات اللاتي يسمّين أنفسهنّ "مؤثرات" ينشرن كيفية وضع المكياج اليومي! أو مكياج خفيف للجامعة! الله المستعان.
ليت الأخوات يدركن خطورة هذا الأمر، أنهن يمشين مع التيار غير مدركات أنّ هذا يُعدّ تبرّجاً نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز بحال أن تظهر المرأة بهذه الصورة أمام الأجانب. إن كان جمع من الفقهاء يرى بوجوب ستر الوجه للمرأة، فما بالك بخروجها متزيّنة متعطّرة قد وضعت طبقات على وجهها ولبست ما يصف شكل جسدها، لتواكب الموضة، ناسية أنّ في ذلك الوعيد الشديد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير نسائكم الودود الولود المواتية المواسية إذا اتقين الله، وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات وهنّ منافقات لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم." رواه البيهقي.
وعندما جاءت أميمة بنت رقيقة تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها ﷺ: "أبايعك على ألا تشركي بالله شيئاً ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفتريه بين يديك ورجليك ولا تنوحي ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى." رواه أحمد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا." رواه مسلم.
وقال تعالى: {ولا تبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى}، وقال: {ولا يبدين زينتهنّ إلّا ما ظهر منها}. فسّر بعض العلماء {إلّا ما ظهر منها} أنه ما لا يمكن إخفاؤه كالرّداء، وقال بعضهم هو الوجه.. على أية حال، المكياج هو زينة يحرُمُ إبداؤها.
قد يكون من الصعب بدايةً أن تنخلع المرأة عن عادة وضعِ المكياج؛ لأنها كما قدّمنا ما عادت ترى نفسها جميلة إلا به، لكن عليها أن تتّقي الله سبحانه وتمتثل لأمره وأمر رسوله ﷺ، فتطيعهما على الرغم من أنه أمر شاقّ على النفس؛ لأنّ الأنثى بطبعها تحبّ الزينة وتحبّ أن تُرى جميلة.
فلتحدّث نفسها بأنّها بذلك تخالف هواها وتمتنع عن أمر محبوب لها، لأجل رضا ربّ العالمين: {وأما من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى فإنّ الجنة هي المأوى}.
ولتدعُ الله سبحانه وتعالى أن يعينها على ذلك وأن يحبّب إليها السّتر، والله لو رأى مولانا صدقَكِ في ذلك لأعانكِ وسدّدكِ وحبّب إليك كلّ محبوب له سبحانه، فقد قال جلّ وعلا: {والذين جاهدوا فينا لنهديّنهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين}. وبعد ذلك، سترين في قرارة نفسك أنك تنفرين من وضع المكياج خارج المنزل، وتغارين على نفسك من أن يراك أحد الرجال الأجانب بهذه الزينة، وسيُحبَّبُ إليك السّتر والحياء، وهذا الأصل في الأنثى.
خُذي هذا القرار، واطمئني واصبري واحتسبي، فمن ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه، وستدركين لاحقاً أنّ الجمال الحقيقي هو الجمال الذي ينبع من الداخل فينعكس على الخارج.
ولا تسمعي لوساوسِ نفسك خاصّة في البدايات، فطبيعي أنها ستوسوس لكِ أنك لست جميلة إلا إذا أضفتِ تلك اللمسة، لكن اثبتي وليكن رضا الله مرادك، فبذلك لن تغلبك تلك النفس الأمارة بالسوء، فأنتِ لا تريدين سوى الله تعالى.
وفي منزلك، ضعي ما شئتِ وتزيّني وتعطّري لزوجك إن كنت متزوّجة، وإن كنت عازبة فلا بأس في ذلك أيضاً، بل هو جميل أن تهتمّي بنفسك وتتجمّلي.
وتذكّري دائماً، أننا راحلون من هذه الدنيا لن يبقى معنا إلّا أعمالنا الصالحة الخالصة لوجهه الكريم، ولن ينفع تبرّجٌ أبهر العيون لبرهة ثم كُتب سيئةً في صحيفة الأعمال التي ستقابلين بها رب العالمين يوم القيامة.. فبادري وأحسني فيما تبقّى فـ{إنّ الحسنات يذهبن السيئات}، وتوبي إلى الله توبة نصوحاً واعزمي على عدم العودة إلى التبرّج، والله الموفّق والمثبّت والهادي إلى سواء السبيل.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




زينة عابرة.. أم صحيفة عامرة؟
لو رأيْتهم يا رسول الله!
عرفة... لا بدّ من قلبٍ حيّ
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السادس عشر
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الخامس عشر