كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
اليوم تفقدُ الأمة الإسلامية، والمحافل الأكاديمية، وديار الضاد عمودًا من أعمدة المعرفة، وجبلًا راسخًا من جبال العربية؛ إنّه العلامة الدكتور مازن المبارك، رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق الأسبق، الذي ترجل عن صهوة الحياة الدنيا بعد عمرٍ مديد حافل بالعطاء الباذخ، والجهاد العلمي في سبيل لغة القرآن الكريم.
بيتٌ أنبت العلماء
وُلد الدكتور مازن المبارك في حي العمارة في مدينة دمشق سنة 1930م، في بيتٍ عريق اشتهر بالعلم والفضل. وكان والده الشيخ عبد القادر المبارك من كبار علماء العربية في الشام، ومن المؤسسين الأوائل لمجمع اللغة العربية بدمشق، وصاحب مؤلفات نافعة في النحو واللغة، فأحاط ابنَه منذ نعومة أظفاره بجوٍّ علمي، يتردد فيه ذكر سيبويه، والفرَّاء، وابن جِنِّيْ، والزمخشري، وابن هشام، وغيرهم، كما يتردد في غيره من البيوت حديثُ الحياة اليومية.
ولم يكن هذا الإرث العلمي مجدًا ورثه فحسب، بل كان أمانةً حملها، ومسؤوليةً أدركها مبكّرًا، فسلك طريق العلم بعزم، حتى أثبت أن البيوت العريقة قد تلد أبناءً يحفظون مجدَها ويضيفون إليه، ولا يكتفون بالانتساب إليه.
رحلة العلم
تلقى علومه الأولى في دمشق، ومال مبكرًا إلى العربية وآدابها، ثم واصل دراسته الجامعية حتى نال الإجازة في اللغة العربية، قبل أن يشدَّ الرحال إلى جامعة القاهرة، فحصل على درجة الماجستير سنة 1957م، وكان عنوان رسالته: (الإيضاح في علل النحو للزّجّاجي_ تحقيق ودراسة)، وحصل على درجة الدكتوراه سنة 1960م، وكان عنوان أطروحته: (الرُّمَّاني النحوي في ضوء شرحه لكتاب سيبويه)، وعاد إلى دمشق مدرِّسًا في قسم اللغة العربية في جامعة دمشق، ثم أستاذًا لعلوم اللغة العربية سنة 1971م.
وقد جمع في تكوينه العلمي بين المدرسة الشامية، بما تمتاز به من عناية بالنصوص، والمدرسة المصرية، بما عُرفت به من انفتاح على المناهج الحديثة، فخرج بعقلية علمية متوازنة، تقدّر التراث، وتستفيد من المناهج المعاصرة.
آثاره العلميّة
عُرف بآثاره النافعة؛ فخرجت مؤلفاته مثالًا في الدقة والرصانة. وقد تنوع إنتاجه العلمي بين التأليف، والتحقيق، والدراسة اللغوية والأدبية، وخدمة التراث، فكان يكتب بعقل الباحث، وذوق الأديب، وأمانة المحقق، ولذلك حظيت كُتبه بقَبول واسع في الجامعات العربية، واعتُمد كثير منها مراجع مقررة لطلاب اللغة العربية والدراسات الإسلامية.
وكان يؤمن أن خدمة التراث تعني بَعْثَه بعثًا علميًا جديدًا، بعد مقابلة النسخ، وتمحيص النصوص، والتعليق عليها، وربطها بمصادرها، حتى تصل إلى القارئ أقرب ما تكون إلى الصورة التي أرادها مؤلفها.
منهجه العلمي
امتاز الدكتور مازن المبارك بمنهج علمي يجمع بين الوفاء للتراث والانفتاح على البحث الحديث. كان يرى أن التراث هو الأساس الذي لا يستغني عنه الباحث، وأن الإفادة من المناهج الحديثة تكون فيما يخدم النص، لا فيما يطمس هُويته.
ولهذا كان شديد العناية بسلامة العبارة، ودقة المصطلح، وعَدَّ الخطأ في اللغة خطأً في الفكر أيضًا؛ لأن اللغة عنده ليست ألفاظًا فحسب، وإنما هي وعاء المعنى، فإذا اضطرب الوعاء اضطرب ما يحمله.
في مجمع اللغة العربية
اختير عضوًا في مجمع اللغة العربية بدمشق (2006م) اعترافًا بمكانته بين علماء العربية في عصره. وفي المجمع شارك في مناقشة القضايا اللغوية، وأسهم في أعماله العلمية، وظل حاضرًا في نشاطه، مؤمنًا بأن المجامع اللغوية ليست مؤسسات شكلية، وإنما هي حصون تحفظ للعربية أصالتها، وتعينها على مواكبة العصر.
أهم مؤلفات الدكتور مازن المبارك
1. الزجاجي: حياته وآثاره ومذهبه النحوي من خلال كتابه الإيضاح (الطبعة الأولى، دمشق، 1960م): يقدم هذا الكتاب دراسة عن حياة النحوي أبي القاسم الزجاجي وشيوخه ومؤلفاته، ويكشف عن مذهبه النحوي عَبْرَ كتابه ((الإيضاح)) بأسلوب ميسر.
2. الرُّمّاني النحوي في ضوء شرحه لكتاب سيبويه (الجامعة السورية بدمشق، 1963م): دراسة لشخصية الإمام علي بن عيسى الرُّمّاني وآرائه النحوية في القرن الرابع الهجري، مع بيان منهجه في فهم القواعد وتعليلها ومكانته العلمية.
3. النحو العربي (دار الفكر، 1965م): كتاب تعليمي متميز يجمع أصول القواعد النحوية بأسلوبٍ فصيحٍ وسهلٍ للغاية، ويهدف إلى تقريب هذا العلم للدارسين مع المحافظة على أصالته.
4. نحو وعي لغوي (مكتبة الفارابي، 1970م) :يبحث في علاقة الإنسان بلغته ومكانة العربية بوصفها لغة القرآن الشريفة، ويدعو لبناء إحساس حضاري بالضاد لا مجرد حفظ القواعد الجافة.
5. مجتمع الهَمَذاني من خلال مقاماته (مجمع اللغة العربية بدمشق، 1960م): دراسة اجتماعية وأدبية عن ملامح الحياة والثقافة في عصر بدیع الزمان الهَمَذاني، مستخرِجةً صفات ذلك المجتمع من صلب المقامات.
6. سلسلة هذه سبيلي (دار البشائر، 2007م): مجموعة أجزاء تربوية ممتعة صنفها المؤلف لغرس القيم الفاضلة والتعريف بأخلاق دمشق العريقة، والتمكين لبيان اللسان العربي المبين في نفوس الناشئة.
7. الموجز في تاريخ البلاغة (دار الفكر، 1968م): دليل مبسط يؤرخ لنشأة علوم البلاغة العربية ويقرب فنون البيان والمعاني والبديع لعقول الطلاب بعبارات معصومة من التعقيد.
8. اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي (مؤسسة الرسالة ودار النفائس، 1973م): بحث وثائقي يدافع بقوة عن قدرة العربية على استيعاب العلوم الحديثة كالطب والهندسة، ويدعو لتعريب المناهج الجامعية بثبات ورؤية علمية محكمة.
أهم تحقيقاته
1. تحقيق مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام (بالاشتراك، دار الفكر، 1964م): إخراج دقيق ومحقق للمرجع النحوي تحت إشراف الأستاذ اللغوي العلّامة الفذّ سعيد الأفغاني، اشتمل على شروح وفهارس تذلل صعاب الإعراب بوضوحٍ تَامّ.
2. تحقيق الإيضاح في علل النحو للزجاجي (دار العروبة، القاهرة، 1959م): إحياء فذّ لمتن الزجاجي الشهير، عني فيه المبارك بضبط النص وتوضيح المسائل الفكرية التي تفسر أسباب وضع القواعد النحوية.
3. تحقيق كتاب اللامات للزجاجي (مطبوعات مجمع اللغة العربية، 1969م): أثر لغوي قيِّم يتناول معاني حرف اللام واستخداماته المتعددة في اللسان العربي، قدّمه المحقق بنقاء يسهل على الدارسين حصر الأحكام.
4. تحقيق المقتضب والألفاظ المهموزة لابن جِنّي (دار ابن كثير، دمشق، 1987م): إصدار محقَّق بعناية فائقة يتناول مسائل الصرف الكبرى وقواعد الهمز عند ابن جني، ويُعَد ركيزة أساسية لفهم الترابط المنهجي للنصوص.
محاضن التلقي ومنابر العلماء
عاش رحمه الله في رحاب مجتمع تملؤه مجالس العلم والعلماء، الذين تعرَّف عليهم في صباه عبر رعاية أبيه ثم صحبة أخيه الدكتور محمد المبارك الذي كانت له إسهامات علمية، وكانت له مشاركةٌ مع الدكتور مصطفى السباعي في تأسيس كلية الشريعة بدمشق، رحمهم الله جميعًا.
ومن شيوخه: شيوخ الفقه والحديث والسلوك: الشيخ بدر الدين الحسني، والشيخ أحمد الحارون، والشيخ أبو الخير الميداني، والشيخ إبراهيم الغلاييني. ورجالات الفكر والأدب الذين شكلوا روح المدرسة الشامية: الأستاذ محمد كُرْد علي، وخليل مُرْدُم بك، وعز الدين التَّنُوخي، والشيخ بهجة البيطار، والشيخ عبد القادر المغربي.
كما جمعته روابط الزمالة بطائفة من الشباب النجبا من طبقته؛ كالشيخ العلّامة علي الطنطاوي، والشاعر أنور العطار، والداعية العالم د. محمد أمين المصري، وغيرهم كثير.
سفير الضاد في المحافل العربية
تجلّى نشاطه العلمي في مَظاهرَ عدّة؛ حيث شهدت له عواصم الفصاحة كدمشق وبيروت والجزائر والكويت وبغداد وقطر، وصولاً إلى البندقية في إيطاليا، حضوراً بَارِزاً في حشد كبير من الندوات والمؤتمرات اللغوية التخصُّصية، رافَقَ ذلك إطلالات ممتدّة عبر اللقاءات والحلقات الإذاعية والتلفازية والصحفية في أرجاء الوطن العربي، فضلاً عن كثرة المحاضرات النافعة التي ألقاها في المراكز الثقافية والعلمية والمدارس والكليات والجامعات بَثّاً للوعي وتبسيطاً لأسرار الضاد.
فقد كان له حضور مُشِعّ؛ إذ عمل مدرسًا في جامعة الرياض بالمملكة العربية السعودية (1965-1966م). ثم تقلّد منصب الأستاذية في الجامعة اللبنانية خلال عامي (1972-1973م). وامتد عطاؤه إلى جامعة قطر بين عامَيْ (1974-1982م)، حيث ترقى رئيسًا لقسم اللغة العربية، ومسؤولًا ثقافيَّا للجامعة، وأمينًا لسرِّ مجلس كلية الإنسانيات، وعضوًا بالمجلس الأعلى للجامعة. كما حل أستاذًا زائرًا في جامعة وَهْران بالجزائر عام (1984م)، وبكلية الدعوة في طرابلس بليبيا عام (1986م)، ثم رئيسا لقسم اللغة العربية بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي في دولة الإمارات العربية المتحدة عام (1990-2002م).
الغيرة على لغة القرآن
ومن أبرز الصفات التي لازمت شخصيته: غَيْرتُه على العربية. فقد كان يرى أن الدفاع عن اللغة ليس تعصبًا للماضي، بل حفاظٌ على هُوية الأمة ومستقبلها. وكان يؤلمه أن تُهمَل العربية في التعليم والإعلام، أو أن تُستبدل بها ألفاظ وأساليب تُضعف الصلة بجمالها وطاقتها التعبيرية.
ولم تكن غيرته مجرد كلمات تُقال، بل كانت مشروع حياة؛ كَتَب، ودَرَّس، وناقش، وشارك في المجامع والندوات، كل ذلك من أجل أن تبقى العربية لغةً حيّة قادرة على العطاء.
من أقوال الدكتور مازن المبارك عن نشأته العلمية
قال رحمه الله عن أثر والده الشيخ عبد القادر المبارك في تكوينه:
" كانت النشأة في بيت والدي الشيخ عبد القادر المبارك، وهو أحد مؤسسي مجمع اللغة العربية بدمشق، وأحد أساطين اللغة وأعاجيبها ونوادرها في النصف الأول من القرن العشرين"
وقال عن أثر معلّميه في حياته:
" كان فيها عدد كبير من المعلمين الذين يُعَدّون الطلاب أبناءهم، فيشرفون على تربيتهم، ويُولُونهم رعايتهم من جميع النواحي."
ومن أجمل ما ذكره عن عنايته بالنطق والقرآن:
" وسبب إتقاني مخارج الحروف أن والدي رحمه الله كان قد عُيِّن لنا أستاذًا يُقرئنا القرآن فجر كل يوم صيفًا وشتاءً..."
من أقواله عن العربية ومكانتها
قال رحمه الله:
" ما ذلّت لغة قوم إلا ذلّوا، وما ذلّ قوم إلا ذلّت لغتهم؛ فالمعادلة طَرْدية: تقوى الأمة فتقوى لغتها، وتقوى اللغة فتقوى الأمة."
وفاء تلاميذه ومحبيه (شهادة د. محمد حسان الطيان)
قال عنه الدكتور محمد حسان الطيان:
" يقترن الدكتور مازن المبارك في ذاكرتي بمواسم الفرح، فقد كنت ألقاه كلما عاد من مغتربه في دبي إلى دمشق أيام العيد وأيام الصيف، ثم صرت ألقاه كلما عدت من مغتربي في الكويت إلى دمشق أيام العيد وأيام الصيف، والحق أن الدكتور مازنًا كله فرح، علمه يُضفي على العقل الفرح، ومجلسه يُسبغ على النفس الفرح، وأُنسه يملأ القلب والمكان بالفرح، وإذا ما حضر مجلسًا زانه بكلامه، وملأه بحضوره."
اليوم يترجّل المبارك عن صهوة الحياة الدنيا عن عمر ناهز 96 عامًا، أفناه في خدمة لغة القرآن، فنسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يغفر له، وأن يرحمه رحمة واسعة، ويُعلي في الجِنان مقامه، وأن يكتب له بكل حرف سطَّره، ودرس جليل درَّسه، وكتاب نافع ألَّفه، ومحاضرة ألقاها، أجرَ المجاهدين في سبيله، الذائدين عن حمى لغة كتابه الكريم.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
العلَّامة مازن المبارك وتسعة عقود في محراب الضَّاد
لمودِّعي المونديال... ليس كلُّ فوزٍ فوزًا
مونديال
لا مزيدَ من الدموع
سرد القوافي المتين، لأصحاب الكهف والرّقيم