تشريح العالمانية - الجزء الثاني
العالمانية ليست ابنة حدث واحد. لم تُولد في مختبر، ولم تخرج مكتملة من كتاب فيلسوف، ولم يصنعها سبب واحد يمكن عزله عن بقية الأسباب.
إنها ثمرة مسار طويل أعاد توزيع السلطة بين الكنيسة والدولة والفرد والعقل والمجتمع.
تمييز قديم داخل المسيحية
كان لفظ secular معروفًا قبل ظهور العالمانية الحديثة، وكان يشير إلى ما هو زمني أو دنيوي، وإلى من يعيش أو يعمل خارج الحياة الرهبانية.
وكانت المسيحية الأوروبية تعرف تمييزًا بين المقدس والزمني، وبين رجال الكنيسة والعامة، وبين المجال الكنسي وبعض شؤون الحكم.
لكن هذا التمييز لم يكن يعني أن الدين شأن شخصي، أو أن الوحي لا سلطان له على الحياة العامة. فقد كانت أوروبا الوسيطة تنظر إلى نفسها بوصفها عالمًا مسيحيًا، وكان الملوك والباباوات والأمراء يتحركون داخل إطار ديني عام، وإن تنازعوا على السلطة.
فالجذر اللغوي قديم، أما المذهب العالماني الحديث فمتأخر.
صراع الكنيسة والسلطة السياسية
لم تكن العلاقة بين الكنيسة والملوك في أوروبا الوسيطة هادئة. فقد تنازع الطرفان على تعيين كبار رجال الدين، وملكية الأراضي، والقضاء، وشرعية الحكام، وحدود سلطة البابا على الملوك.
لم يكن ذلك في البداية صراعًا بين الدين والعالمانية، بل صراعًا بين سلطتين تتحركان داخل عالم مسيحي واحد وتسألان: من يملك سلطة ماذا؟
لكن هذه النزاعات أسهمت في تشكيل التمييز بين المجال الكنسي والمجال الزمني، وهيأت التربة لأسئلة أكثر جذرية في العصور اللاحقة.
الإصلاح الديني والانقسام المذهبي
مع الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر انكسرت الوحدة المؤسسية للمسيحية الغربية.
لم تعد أوروبا تملك كنيسة واحدة، بل أصبحت تضم كاثوليك ولوثريين وكالفينيين وغيرهم. واختلط الخلاف اللاهوتي بالمصالح السياسية والعسكرية والإقليمية، واندلعت صراعات طويلة.
أصبح السؤال السياسي أكثر إلحاحًا: كيف يمكن إدارة الدولة في مجتمع تختلف جماعاته حول الدين الصحيح؟
قدّم صلح أوغسبورغ سنة 1555 تسوية جعلت اختيار المذهب مرتبطًا إلى حد كبير بحاكم الإقليم، ولم يكن إعلانًا لحرية الاعتقاد الفردية بمعناها الحديث.
ثم جاءت حرب الثلاثين عامًا وتسويات وستفاليا سنة 1648. لكنها لم تنشئ في يوم واحد الدولة العالمانية الحديثة، ولم تُخرج الدين فجأة من السياسة. كانت محطة في مسار أطول، ساعدت على تثبيت سلطة الكيانات السياسية وإدارة التعدد المذهبي بصورة أكثر واقعية.
الحروب الدينية لم تصنع العالمانية مباشرة، لكنها جعلت بناء الاستقرار السياسي على وحدة مذهبية كاملة أمرًا بالغ الصعوبة.
التنوير واستقلال العقل
في القرنين السابع عشر والثامن عشر حدث تحول فكري واسع. بدأ مفكرون يعيدون بناء السياسة والأخلاق على مفاهيم مثل العقل، والحقوق الطبيعية، والفرد، والعقد الاجتماعي، والتسامح.
لم يكن فلاسفة التنوير جميعًا ملحدين. كان بينهم مسيحيون وربوبيون ومشككون وناقدون للمؤسسة الدينية. لكن الاتجاه المشترك كان توسيع قدرة الإنسان على بناء النظام السياسي والأخلاقي من دون الحاجة إلى مرجعية كنسية مشتركة.
انتقل مصدر الشرعية تدريجيًا من الحق الإلهي للملك والمؤسسة الدينية إلى الشعب والإرادة العامة والعقد والدستور.
وهنا لم يعد السؤال فقط: ما المذهب الذي ينبغي أن تتبناه الدولة؟
بل أصبح:
هل تحتاج الدولة إلى الدين أصلًا لتؤسس شرعيتها وقوانينها؟
ولذلك فإن رواية «العلم هزم الدين فظهرت العالمانية» رواية شديدة الاختزال. لقد كان التحول علميًا، لكنه كان أيضًا سياسيًا وفلسفيًا واجتماعيًا وقانونيًا.
الثورة الفرنسية واللائكية
جاءت الثورة الفرنسية سنة 1789، فتحولت أفكار كثيرة إلى صراع مباشر مع مؤسسات النظام القديم.
كانت الكنيسة الكاثوليكية تمتلك أراضي وامتيازات، وتؤثر في التعليم والحياة العامة، وترتبط بالنظام الملكي. لذلك كان الصراع معها صراعًا على السلطة والثروة إلى جانب كونه صراعًا دينيًا وفكريًا.
مرت فرنسا بعد ذلك بمراحل من المواجهة الشديدة، ومحاولات إخضاع الكنيسة للدولة، وحملات ضد الرموز الدينية، ثم فترات من التسوية والعودة والتراجع.
ولم يتشكل النموذج اللائكي الفرنسي في لحظة واحدة، بل تطور خلال أكثر من قرن، وصولًا إلى قانون سنة 1905 بشأن فصل الكنائس عن الدولة.
ولهذا تحمل اللائكية الفرنسية حساسية تجاه الدين والرموز الدينية تختلف عن تجارب غربية أخرى.
حين حصل المسار على اسم
يرتبط ظهور كلمة Secularism بوصفها اسمًا لمذهب حديث بالكاتب الإنجليزي جورج جاكوب هوليوك في منتصف القرن التاسع عشر.
حاول هوليوك تقديم مشروع أخلاقي واجتماعي يركز على هذه الحياة، وعلى العقل والمنفعة والتجربة البشرية، دون جعل إثبات الله أو نفيه موضوعه المركزي.
لم يبدأ هوليوك العملية التاريخية، بل أعطى اسمًا لمجموعة من الاتجاهات التي كانت قد تشكلت قبله بقرون.
فالتحولات جاءت أولًا، ثم جاء الاسم ليجمعها ويمنحها هوية أكثر وضوحًا.
انتقال العالمانية إلى العالم العربي
لم يعش العالم الإسلامي التاريخ الكنسي الأوروبي نفسه. فلم توجد فيه بابوية مماثلة، ولا إصلاح بروتستانتي، ولا علاقة مطابقة بين الكنيسة والدولة.
لكن العالمانية دخلت العالم العربي ضمن الاحتكاك المتزايد بأوروبا الحديثة، وخاصة منذ أواخر القرن الثامن عشر وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
انتقلت عبر الاحتلال والنفوذ السياسي، وإعادة تشكيل القانون والقضاء، والبعثات والمدارس الأجنبية، والترجمة والصحافة، وبناء الدولة المركزية الحديثة.
وفي حالات كثيرة انتقلت المؤسسات والممارسات قبل أن ينتشر اسم المذهب بين الناس.
قد يتغير القانون والتعليم والقضاء ومفهوم الدولة، بينما يبقى المجتمع متدينًا، ولا يصف أفراده أنفسهم بأنهم عالمانيون.
ولم يكن التلقي العربي واحدًا. فقد ظهرت اتجاهات تبنت النموذج الغربي على نطاق واسع، وأخرى أرادت الاستفادة من مؤسساته وتقنياته دون قبول أصوله الفلسفية، ومحاولات للتوفيق بين المرجعية الإسلامية وبعض التصورات العالمانية الحديثة.
العالمانية لم يصنعها سبب واحد
قبل الانتقال إلى حاضر العالمانية، ينبغي تجنب أربع روايات مبسطة:
الأولى تقول إن العالمانية ظهرت لأن العلم هزم الدين. وهذه تختزل مسارًا سياسيًا وفلسفيًا واجتماعيًا طويلًا في قصة مختبرية.
والثانية تقول إنها ظهرت فقط بسبب فساد الكنيسة. كان فساد بعض المؤسسات والصراع معها عاملًا مهمًا، لكنه لا يفسر وحده التغيرات في مفهوم الدولة والإنسان والشرعية.
والثالثة تجعل صلح وستفاليا لحظة ميلاد الدولة العالمانية المكتملة، بينما كان مجرد محطة ضمن مسار أطول.
والرابعة تختزل الظاهرة في مؤامرة وضعها أشخاص محددون ونفذوها. قد توجد مصالح وخطط وقوى استعمارية عملت على العلمنة، لكن الظاهرة أوسع من خطة واحدة أو غرفة مغلقة.
والأدق أن نقول:
العالمانية نتيجة تمييز قديم، وصراع على السلطة، وانقسام مذهبي، وتحول فلسفي، وبناء للدولة الحديثة، ثم انتقال استعماري وثقافي أنتج صورًا متعددة منها.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




تشريح العالمانية - الجزء الثاني
تشريح العالمانية - الجزء الأول
مداد الأجل في ظلال نعمة الأمل
الكتابة للطفل رسالة ومسؤولية
فطال عليهم الأمد