مونديال
استبدلت صحافة الإسبان مصطلحَ ' المونديال' بمصطلح كأس العالم؛ حيث إن الأخير كان مُستثقَلًا في لفظه، وقد بقي سائدًا حتى العام ١٩٨٢م ، مُبتغين بذلك ربط المجد - ذهنيًّا - عبر تخليد ذكر إسبانيا في منافسات الرياضة العالمية؛ حيث إن كلمة 'المونديال' مشتقة في أصلها من جَذر كلمة لاتينية ومن ثمّ إسبانية، وهي تعني العالَم.
استقرَّ هذا الإطلاق على تلك المنافسات رغم محاولة الجهات المنظِّمة إبقاء المصطلح الرسمي (بطولة فيفا لكأس العالم لكرة القدم)، إلا أن المُبتدَع الإسبانيّ 'المونديال' ظلَّ طاغيًا، بل تعدَّى كرة القدم إلى ألعاب رياضية شتى؛ ككرة اليد - مثلًا - أو السلة وغيرهما.
وعلى أيَّة حال، فمن المفارقات أن تتسنَّم إسبانيا كأس البطولة هذا العام متفوِّقة على نظيرتها الأرجنتين؛ وللعلم - وحسْب - فإن الأرجنتين في الأصل مستعمرة إسبانية نكَّل فيها الإسبان بسكان الأرض الأصليِّين حتى اجتثّوهم - وهم بعشرات الملايين -، ثم طردوا السُّود منها، وخاطروا بهم في حروب متتالية دافعين بهم في مقدَّم جيوشهم! ثمّ استقدموا الملايين البيض من الأوروبيين، ثم شاء أولئك المستعمرون الإسبان الاستقلال عن الدولة الأُمّ (التاج الإسباني)، لِيُنْشِئُوا دَوْلَتَهُم عام 1816م، عبر حرب استقلال قام بها الثوار الأرجنتينيّون!
ليس ذلك كلُّه ما يهمُّنا في مقامنا هذا، وإنّما القصد تلك الأيدي الخفيَّة التي ابتدعت تلك المنافسات الرياضية العالمية، حتى جعلت من الرياضة صَنْعَةً، واتجارًا، وملهاةً لشعوب العالَم!
أليس مُبتدعًا عظيمًا أن يتسَمَّرَ مليارات من أهل المسكونة - حضورًا أو متابعة – يتسمَّرون كأن على رؤوسهم الطير ساعاتٍ طويلة يرقُبون تصفيات متتالية، إذا خالَ المرءُ أنها انقضت في أربع سنوات عادت من فورها دوريات محلية، ثمّ إقليمية، ومن ثَمَّ دولية في أربع سنوات أخرى؟!
أوَلا يحقُّ لإنسان حصيف أن يسأل: هل انتهت مشاكل العالَم حتى لم يَبْقَ إلا ممارسة هوايات الرياضة على هذا النطاق الواسع؟! هل ساد العدلُ العالم؟! هل أُشْبِعَت البطون وانتهت المجاعات؟! هل وزِّعت الثروات وأُدِّيَتِ الزكوات، وتكافلت المجتمعات، ودُفِنَ الفقر؟!
في خضَمِّ الصراعات وأشدِّها يأتينا 'المونديال'! فوق ركام غَزَّة وأشلاء أهلها، في ضِيق مضيق هرمز، في نَدْبِ باب المندب، في استقدام بقرات الهيكل، في الهمِّ بهدم الأَقصى، في توسُّع الغاصبين، في تخاذل الخاذلين المخذِّلين، في تفَتُّت خلافَة المسلمين، في نَهْبِ ثرواتِ الشرق، في استعباد الشعوبِ وتجويعها، في ظِلِّ ذلك كلِّه وذُلِّه ترى الشعوب ترقُب بلهفة وتشَوُّق كرة مطَّاطٍ تتقاذفها الأقدام، حتى إذا لامسَتْ شِبَاكَ مَرْمى صَدَحَتِ الحَناجِر بالصُّراخ، وكلَّتِ الأَيْدِي مِنَ التَّصْفِيقِ، مِنْ طِفْلٍ يفتح عَيْنَيْهِ مُتَعرِّفًا إلى هذا العالَم، إلى شَيْخ وَشَيْخَة خَبِرا العالَم، حتى أَوْشَكا أَنْ يُفارِقاهُ!
كبار الساسة ودُهاة العالَم الخبثاء يمرِّرون بعقولهم بروتوكولاتِهم، وكبار اللاعبين يمرِّرون بـأقدامهم كُرَةً يمْنَة ويسرة، وكلٌّ منهم يتقاضى أجورًا خياليّةً، وتتجاذبهم الأندية الدولية بشتى المغريات، أملًا في أن تتخطَّى كُراتُهم كلَّ مَن يتجرأ أن يتصدَّى لها من لاعبين، وصولًا إلى حارس المرمى!
تلك الأنفس الدنيَّة، والأيدي الخفيَّة، والعقول الذكية، نجحت بامتياز في كسب أموال الشعوب، وحَرْفِهِم عن قضاياهم، وتَحْوِيلِ عقولهم إلى أقدامهم!
آملًا - ختامًا -ألّا تُفهم مقالتي هذه كَبْتًا لهوايات الرياضة، ولا كَبْحًا لجماح قدرات الشباب، ولا حتى غمًّا وهمًّا لقلوبهم، إنّما هي محاولة فتح عيونٍ لتَرَى، وإيقاظ عقول لتدَّبر، وكشف غطاء عن قلوب هَوَتْ كُرَة مطاطٍ حتى خالَتْها كرة أرض، فكان همُّها أن تسُود الأقدام، لِيَتمَّ بذلك العزُّ والسؤدد، ويُكتب بذلك النَّصْرُ والتَّمْكِين، ولِيَعْلُوَ الحَقُّ في أرْجَاءِ المَعْمُورَة.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




مونديال
لا مزيدَ من الدموع
سرد القوافي المتين، لأصحاب الكهف والرّقيم
دور الأسرة في مواجهة الأفكار الإلحادية
الواثقون بأنفسهم