كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
كلَّ أربع سنوات يتغيّر وجه الحياة؛ فتضجّ الشوارع، وتمتلئ المقاهي، وتُؤجَّل الأعمال، وتتجه الأنظار نحو مستطيلٍ أخضر، وكأن الأرض قد اختزلت همومها كلَّها في كرةٍ ترقبها الأبصار وتتقاذفها الأقدام، فإذا أحرز لاعبٌ هدفًا ارتفعت الصيحات، وإذا ضاعت فرصةٌ انقبضت الصدور، وإذا خسر فريقٌ خُيِّل إلى بعض الناس أن الدنيا قد أغلقت أبوابها!
إنه المونديال؛ كشفَ اتجاه المشاعر، وأظهر الموضع الذي احتلته الدنيا في سلّم الاهتمامات. فمِن الناس من نام بالنهار وسهر بالليل، لا من أجل تهجّدٍ ولا قيامٍ بين يديِ مَن أسبغ عليه نِعَمه ظاهرةً وباطنة، بل من أجل مباراة! وهذا يؤكد، مرةً بعد أخرى، أن الحجج التي كان يتذرَّع بها بعض الشباب لفوات صلاة الفجر ليست إلا أوهامًا واهية. ومن الناس من لم يعرف الدموع إلا بعد خسارة الفريق الذي شجَّعه، بينما مرّت عليه أيامٌ فرّط فيها في صلاته، أو عقَّ والديه، أو ظلم إنسانًا، فلم يضطرب له قلب، ولم يؤنِّبه ضمير.
فأيُّ مفارقةٍ هذه؟! نبكي على ضياع كأس، ولا نبكي على ضياع العمر! ونجزع لخسارة تسعين دقيقة، ولا نجزع من خسارةٍ قد تمتد إلى الأبد! ونحفظ أسماء اللاعبين وسِيَرهم، ثم نعجز عن حفظ ما يصلح قلوبنا ويقرّبنا إلى ربِّنا!
هذا وليس في الرياضة المنضبطة نفسها ما يُذمّ؛ فهي مظهرٌ من مظاهر صحة البدن، وصورةٌ من صور الترويح المباح، وقد جبل الله النفوس على حبِّ المنافسة والإنجاز. بيد أن المذموم أن تتجاوز اللعبة حدودَها، فتستعبد القلوب، وتستنزف المشاعر، حتى يغدو الفوز والخسارة فيها أشدَّ وقعًا في النفوس من الفوز برضا الله أو الخسارة بمعصيته.! إن معركتنا الحقيقية ليست معركة عجز، بل معركة قلَّة وعيٍ وضعف إرادة.
حماسٌ اجتاح الدنيا على مدار أربعين يومًا، شاركت فيه جماهير غفيرة، وملوك، وحكام، بينما لم يتحرك ساكنٌ تجاه قضايا الأمة الكبرى؛ ولو أن خُمس هذا الحماس وُجِّه إلى غزة، التي تُستباح حرماتها وتسيل على ثراها الدماء رغم المعاهدات الدولية الخادعة، لتغيّرت المعادلة تمامًا.
لقد فاز فريق، وخسر آخر، فماذا عنَّا نحن؟ أنبقى أبدًا في مقاعد المتفرجين وغيرنا هم اللاعبون؟! هل امتلكنا زمام أمرنا، أم ما زال أزيزُ المسيّرات يملأ سماءَنا ويصمُّ آذاننا؟!
إن هذا المونديال أشبه بصورةٍ مصغّرة من أعمال الدار الآخرة التي نسيها كثيرٌ من الناس في غمرة انشغالهم؛ تلك الدار التي تسير إليها البشرية، شاءت أم أبت، تحت حكمٍ مبرم: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾.
لقد شهد العالم مشاهد إنسانية مؤثرة، كان أبرزها دموع كبار اللاعبين بعد ضياع حلمٍ انتظروه أعوامًا، وما دموع ميسي وخيبة أمله بخافية. فلو أن هذا المشهد الموجع لعشَّاق اللعبة قادهم إلى استحضار مشهد الخسران الأكبر في الدار الآخرة، لامتلأت قلوبهم إيمانًا، ولزهدوا في هذا العاجل الفاني.
والمؤمن يقفُ مع نفسه وقفةَ محاسبة، فيرى في تلك الدموع مرآةً لخسرانٍ أعظم، فيقول: إذا كانت كأسٌ زائلة تستذرف الدموع، فكيف بمن أضاع جنَّته؟ وإذا كانت خسارةُ بطولةٍ توجع القلوب، فكيف بخسارة رضا الله وحرمان نعيمه.
وعلى من حزنوا لهذه الخسارات العابرة أن يعلموا أن هذا الألم ليس إلا ظلًّا باهتًا لألمٍ أعظم يلقاه من خسر آخرته وأعرض عن ربه. وما الدنيا بما زخرفت به من بطولاتٍ وأضواء إلا متاعٌ قليل؛ وقد قال رسول الله ﷺ: "لو كانت الدنيا تعدِل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء".
إن البطولة الحقيقية التي تستحق أن تُبذل لها الأعمار ليست بطولة الملاعب، وإنما بطولة النفس حين تنتصر على هواها، وبطولة القلب حين يثبت على الطاعة، وبطولة الإنسان حين يغلب شهوتَه ويخرج من هذه الدنيا بزادٍ يلقى به ربَّه.
ها قد انقضى المونديال، كما انقضت عشرات البطولات قبلَه، وستُطوى صفحاته، أما صحيفة الأعمال فستبقى محفوظة حتى نلقى الله تعالى. فطوبى لمن عرف الفرق بين مباراةٍ تنتهي بصافرة حكم، وحياةٍ تنتهي بلقاء رب العالمين، فجعل همَّه الأكبر فوزًا لا يعقبه خسران، ونعيمًا لا يعتريه زوال.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
لمودِّعي المونديال... ليس كلُّ فوزٍ فوزًا
مونديال
لا مزيدَ من الدموع
سرد القوافي المتين، لأصحاب الكهف والرّقيم
دور الأسرة في مواجهة الأفكار الإلحادية