ربيعٌ في ربيعٍ في ربيع...
لم يَحفِل الفكر الإنساني كما حفَل بسيرة رسول الإسلام محمَّد صلَّى الله عليه وسلّم، الذي لم يَزَلْ دينُه في سعة انتشار على تقصير في الدعوة إليه، وقصور يد في إمداده!
فظهور الإسلام الملفت رغم ما ذكرتُ آنفًا ليس له إلّا تعليل منفرد: إنه شخص رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وعظيم ما جاء به من عند ربِّه.
إنه محمد صلى الله عليه وسلّم: مَجمع الفضائل الإنسانية، وتمام العظمة البشرية، ومحلُّ العناية الربَّانية.
ذلك التفرُّدُ في الفضل لا يُضاهيه إلّا تفرُّده صلّى الله عليه وسلّم، بتواضع جمٍّ، لو أنه وُزِّع على أهل الأرض جميعًا لَوَسِعَهم!
نبيٌّ أُمِّيٌّ وُلد بين ظهرانَيْ أمّة شتات لا ذِكْرَ لها يُعرف - آنذاك - بين أمم الأرض، وُلد فيهم نور العالَم، فسادوا به العالَم، وخرج فيهم سيِّد الناس، فكانوا به خير أمَّةٍ أُخرجت للناس.
إنه ربيع الأول: شهر اسمه محبوب يلامس شغاف القلب، ويدخله دون استئذان، وليس ذاك عند المؤمن إلّا لمولد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيه.
لهذا الشهر في الإسلام فضلٌ
وإفضالٌ يفوق على الجميعِ
***
سُمَاهُ وهو والمولود فيه
ربيعٌ في ربيعٍ في ربيع.
وإنه الإثنين: يومٌ شَرُفَ ذِكْرُهُ - أبدَ الدهر - بمولد سيِّد الكونَيْن وإمامُ الثَّقَلَيْنِ فيه صلّى الله عليه وسلّم، "سُئل رسولُ الله عليه وسلّم عن صوم يوم الإثنين، فقال: «فيه وُلِدت، وفيه أُنزِل عليَّ»" [مسلم].
وإنه عام الفيل: عام حفظ الله فيه بيته المعظَّم من كيد أبرهةَ الحبَشيِّ النصرانيِّ؛ مع كون أهل الحرم - إذ ذاك - عبدة أوثان، وليس حِفْظُ الحرم إلّا تكرمةً لقُرب مولد سيِّد الحرم، رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ففي جواره يُبعث، ومن عنده يُسرى به ويُعرج، وإليه تتحوَّل قِبْلَتُه، وإليه يدخل فاتحاً مكة، وإليه وِجهة أُمَّتِه في صلاتهم إلى يوم القيامة، فكيف تُرى أبرهة يهدمه؟!
إن العالَم الإسلاميّ لم ينسَ ولن ينسى، فضلَ هذا الرسول الكريم، ولو أنصف العالَم بأسره لأقرَّ بفضله على الإنسانية جمعاء.
في كلِّ شهر ربيع الأول من كلّ عام هجريٍّ، تهفو النفوس وتتشوَّق الأرواح لذكرى مولد الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم، فتُقام معالم الزينة، وتلهج أَلْسُن الخطباء بفيض الثناء، وتفيض القلوب فرحاً وسروراً.
نعم، إن ذلك كلَّه ليس إلا نزرًا يسيرًا مما يجب لهذا النبيِّ الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم من إجلال وتوقير وإعظام، لكنْ أليس من الأوجب ألّا يقتصر إحياء تلك الذكرى العطرة على أضواء تُستنار، وحلوى تُوزَّع، وحفلات تُقام، وأبحاث تدوّن، وخُطب تهزُّ المنابر. إن ذلك كله لا يَفي بحق التعظيم، ولا يحقّق تمام التكريم، لكنَّ إقامة الذكرى حقًّا إنما يكون بإحيائها في النفوس: عقيدةً تُفدى بالأرواح، وأخلاقًا ترتسم في السلوك، وعلمًا نافعًا يتجسَّد عملاً صالحاً، وسعيًا لإحياءِ أمّةٍ رشيدة ترقى إلى تعاليم النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كما أرادها.
أمَّة الإسلام، فلنكتبْ بمحبة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أسطرًا حية في الحضارة، ومواقفَ في العزة والكرامة، لنرفعَ بما جاء به نبيُّنا صلَّى الله عليه وسلَّم الإنسانيةَ من حضيض الجهل وضيق المادية إلى أَوج العلم وفضاء القيم، ومن ظلمات الظُّلم إلى نور العدل.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




ربيعٌ في ربيعٍ في ربيع...
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.. مَوْلِدُ النُّورِ وَسِرَاجُ الرَّسَالَةِ
لا تغضب!
مهمّاتُ البعثةِ النّبويّةِ أصل الأصول للتربية الربّانيّة
تشريح العالمانية - الجزء الثاني