مهمّاتُ البعثةِ النّبويّةِ أصل الأصول للتربية الربّانيّة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده.. وبعد؛
لقد كان أعظمَ مُهمّات البعثة النّبوية، التي قامَ بها النبيّ ﷺ خيرَ قيام، تلك المُهمّة التي حُدِّدت أصولها المَنهجيّة، وميادينها التربويّة بقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الجمعة:2]، وكذلك مَثيلات هذه الآية الكريمة في كتاب الله تعالى. فلقد حدّدت هذه الآية الكريمة ثلاثَ مُهمّات كُبرى للرسول ﷺ:
1 ـ مهمّة تبليغ الدعوة، وبيان الحقّ، وتعريف الإنسان بخالقه، ومصدر التلقي ومنهجه، وربطه بهذا المَنهج، وتوضيح علاقته به، ومسؤوليّته عن السعي ضمنَ حدوده وإطارِه، وهي المُهمّة التي يشير إليها قوله تعالى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ}.
2 ـ مُهمّة التربيةِ والتزكية، وإليها يشير قول الله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ}، وتشمل التزكية: جميع الجوانب الفكريّة النظريّة، والدراسات التي تحتاجها التزكية، وتتّصل بها، والتطبيقات العمليّة لها، كما تتنوّع إلى تزكية كيان الإنسان كلّه: تزكية النّفس، وتزكية العقل، وتزكية الجسم.
وحقيقة التزكية تتلخّص في: تعزيز المَرغوب فيه في السلوك الإنسانيّ، وانتزاع غيرِ المَرغوب فيه، وقد لخّصها علماءُ التربية الربّانيّين بكلمتي: "التخلية والتحلية"، فهي عمليّة تقويم وتعديل للسلوك الإنسانيّ في كلّ جانب من جوانبه، مع تعزيز الإيجابيّات وتنميتها.
3 ـ والمُهمّة النبويّة الثالثة هي مهمّة تعليم الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ للعمل والتنفيذ، وإليها يشير قول الله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ}، "والحكمة لا تخرج عن معنيين هما: العلم، وفعل الصواب، وهو ما يحمله الكِتَابُ والسنّة النبويّة، فهي من ثمّ تنقسمُ إلى حِكمة نظريّة، وحِكمة عمليّة، ولابدّ من اجتماعهما في السلوك الكامل".
ومن أحسن وأجمع ما جاء في تعريف الحكمة قول الإمام النووي رحمه الله: "إنّها العلم المُتّصف بالإحكام، المُشتمل على المَعرفةِ بالله تعالى، المَصحوب بنفاذ البَصيرة، وتهذيب النّفس والأخلاق، وتحقيق الحقّ والعمل به، والصدّ عن اتِّباع الهوى الباطل. والحكيم من له ذلك".
وهذه المُهمّات للبعثة النبويّة أصلها الضارب في أعماق الزمن دعوة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الحديث عَنْ عِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ t أنّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "إِنِّي عَبْدُ الله لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلام لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِك: دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ". وَفِي رواية: "إِنَّ أُمَّ رَسُولِ الله ﷺ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ".
ودَعْوَةُ أَبِيه إِبرَاهِيمَ ﷺ، هي المَذكورة في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [البقرة:129].
فما أعظم مكانة هذه المُهمّات النبويّة عندما نلاحظ أنّ أبا الأنبياء إبراهيم ﷺ يدعو بها، منذ هذا التاريخ العميق؟! فهي متجذّرة في أعماق الرسالات الإلهيّة للبشريّة..
وإذا دَقّقنا التفكير والنظر فإنّ حضارة الإسلام قامت أصولها على هذه المُهمّات الكبرى، فكان أصلها ثَابتًا، وفرعها في السماء، تُؤتي أُكُلَها كلّ حين بإذن ربّها، وامتدّت خيراتها وبركاتها في جميع الأزمنة والأنحاء، وكانت السمة الظاهرة في هذه الحضارة..
ولدى المُقارنة بين ترتيب هذه الدعوة، وما جاء في ترتيب هذه المُهمّات في الآية السابقة يتبيّن لنا: أنّ بين الآيتين تقديمًا وتأخيرًا، فدعوة إبراهيم ﷺ قدّم فيها تعليم الكتاب والحكمة على التزكية، بينما في الآية الأخرى فقد قدّمت فيها التزكية على تعليم الكتاب والحكمة، ومع أنّ الجمع بالواو لا يدلّ على الترتيب المُطلق عند أهل اللغة، ولكنّه لا يخلو من الإشارة إلى أهمّيّة ما قُدّم على ما أُخّر، وأولويّته في الاهتمام..
وتأسّسًا على ما تقدّم فإنّ الجيل الذي ربّاه النبيّ ﷺ جمعت له الخيريّة من أطرافِها عندما تحقّقت فيه هذه المُهمّات النبويّة على أرقى مُستوى، وأتمّ وجه، فكان بحقّ خيرَ القرون، وخيرَ أمّة أخرجت للناس.. كما شهد الله تعالى له وزكّاه، وكما شهد له النبيّ ﷺ.
وكان مصدر التربية، والنّبْع الذي سُقِيَ منه جيل الصحابة - رضي الله عنهم -واستقى: هو القرآنُ الكريم وحدَه.. منه يتلقّون، وعنه يصدرون، ويكيّفون حياتَهم وفق توجيهاته وإرشاداته وآدابه، وكانت شخصيّة النبيّ ﷺ وسنّته وهديه هي الترجمة العمليّة الدقيقة لكلّ ما جاء في القرآنِ الكريم من توجيهاتٍ وإرشادات، وكانت شهادة الله تعالى لنبيّه ﷺ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] هي تاج الفخار له ولرسالته إلى يوم الدين..
والله وليّ التوفيق والسداد، والحمد لله أوّلًا وآخرًا.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




مهمّاتُ البعثةِ النّبويّةِ أصل الأصول للتربية الربّانيّة
تشريح العالمانية - الجزء الثاني
تشريح العالمانية - الجزء الأول
مداد الأجل في ظلال نعمة الأمل
الكتابة للطفل رسالة ومسؤولية