أ. عائشة عبد الله عزازي، بكالوريوس في اللغة الإنكليزية. مديرة تنفيذية لمركز تدريبي في الرياض.
من غار ثور إلى أسوار القسطنطينية
لا تُقاس الأمم بما تملكه من أرض أو سلطان، وإنما بما تحمله من رسالة، وبما تتركه في التاريخ من أثر. وفي تاريخ الأمة الإسلامية يقف حدثان عظيمان، يفصل بينهما ما يقارب ثمانية قرون، لكن يجمعهما خيط واحد من الإيمان والعمل. الهجرة النبوية وفتح القسطنطينية. فالأولى كانت انطلاقة مشروع حضاري غير مجرى التاريخ، والثاني كان شاهدا على نضج ذلك المشروع وقدرته على تحقيق الوعد وصناعة الإنجاز.
في غار ثور، لم يكن المشهد مجرد اختباء من مطاردة قريش، بل كان درسا خالدا في الثقة بالله، والتخطيط الحكيم، والصبر على الشدائد. فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين كمال التوكل وبذل الأسباب، ليؤسس منهجا حضاريا يؤكد أن الإيمان لا يتعارض مع الإعداد، وأن النصر يولد من اجتماع العقيدة الراسخة والعمل المتقن.
ومع قيام الدولة في المدينة المنورة بدأت ملامح حضارة جديدة تتشكل. حضارة جعلت الإنسان محور البناء، وأقامت المجتمع على العدل، والأخوة، والعلم، وتحمل المسؤولية. ولم يكن انتشار الإسلام ثمرة القوة وحدها، بل كان ثمرة القيم التي حملها المسلمون إلى الشعوب، فدخلت القلوب قبل أن تفتح المدن.
وظلت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية حاضرة في وجدان المسلمين، تلهم الأجيال وتدفعها إلى الإعداد المتواصل. وعندما جاء السلطان محمد الفاتح، لم يكن نجاحه وليد الصدفة، بل نتيجة تربية علمية وإيمانية، ورؤية استراتيجية، وإدارة محكمة جمعت بين الابتكار العسكري والقيادة الواعية. وهكذا تحقق الوعد بعد قرون، ليؤكد أن الإنجازات العظيمة لا تصنعها الأمنيات، وإنما تصنعها النفوس المؤمنة والعقول المستعدة.
وإذا تأملنا الرابط بين الهجرة وفتح القسطنطينية، وجدنا أن كليهما يمثل انتقالا من مرحلة إلى أخرى. فالهجرة نقلت المسلمين من الاستضعاف إلى بناء الدولة، وفتح القسطنطينية نقل الأمة إلى مرحلة جديدة من الحضور الحضاري. وفي كلا الحدثين كانت البداية من إصلاح الإنسان قبل تشييد العمران، لأن الحضارات لا تقوم بالحجارة، وإنما تقوم بالعلم والقيم والإخلاص.
واليوم، ونحن نستذكر الهجرة النبوية، فإن أعظم ما نستفيده منها ليس مجرد استحضار أحداثها، بل استيعاب رسالتها المتجددة. فكل نهضة تبدأ بفكرة صادقة، وكل إنجاز عظيم يسبقه إعداد طويل، وكل مستقبل مشرق يصنعه أناس آمنوا برسالتهم وأخلصوا في العمل لها.
ومن غار صغير في صحراء مكة انطلقت رسالة أضاءت العالم، ومن تلك الرسالة خرج رجال صنعوا تاريخا ما زالت الإنسانية تقرؤه بإعجاب. وبين الهجرة وفتح القسطنطينية تتجلى حقيقة خالدة، وهي أن الإيمان حين يقترن بالعلم، والعمل، والصبر، يتحول إلى حضارة تبقى آثارها شاهدة على عظمة الرسالة وسُمو المقصد.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




من غار ثور إلى أسوار القسطنطينية
ربيعٌ في ربيعٍ في ربيع...
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.. مَوْلِدُ النُّورِ وَسِرَاجُ الرَّسَالَةِ
لا تغضب!
مهمّاتُ البعثةِ النّبويّةِ أصل الأصول للتربية الربّانيّة