تشريح العالمانية - الجزء الثالث
تصف فرنسا نفسها بأنها جمهورية لائكية، وتقوم تجربتها على الفصل المؤسسي وحياد الدولة وفق الفهم الفرنسي. أما إنجلترا، فتحتفظ بكنيسة رسمية، ويحتفظ الملك بعلاقة دستورية بها، كما يوجد حضور كنسي في بعض مؤسسات الدولة. ومع ذلك، لا يعني وجود الكنيسة الرسمية أن الوحي المسيحي هو المرجعية العليا الملزمة للتشريع البريطاني.
تكشف المقارنة أن هناك ثلاثة أسئلة مختلفة:
ـ هل توجد مؤسسة دينية رسمية؟
ـ هل الدين حاضر في المجتمع والسياسة؟
ـ هل يملك الوحي مرجعية ملزمة؟
وقد تكون الإجابات مختلفة داخل الدولة نفسها.
فليس هناك نموذج عالماني واحد، ولا يكفي شكل العلاقة القانونية بين الدولة والكنيسة لتحديد طبيعة المرجعية.
هل انتهى الدين في الغرب؟
تنبأت بعض نظريات العلمنة بأن التقدم العلمي والاقتصادي سيؤدي تدريجيًا إلى اختفاء الدين.
وقد شهدت المجتمعات الغربية بالفعل تراجعًا في سلطة الكنائس، وانخفاضًا في الانتماء والممارسة الدينية، واتساعًا لعدم الانتماء الديني.
لكن الدين لم يختفِ. فما زال حاضرًا في الهوية والسياسة والتعليم والهجرة والأخلاق وقضايا الأسرة والحياة والموت. كما أدى التنوع الديني والهجرة وحضور الجماعات الدينية إلى استمرار الدين فاعلًا في المجال العام.
الصورة الأدق ليست أن الغرب كان متدينًا ثم أصبح بلا دين، بل أن بعض أشكال التدين تراجعت، وتحولت أشكال أخرى، واتسع عدم الانتماء الديني، وبقي الدين قوة اجتماعية وثقافية. وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى الحديث عن ما بعد العالمانية.
ماذا تعني «ما بعد العالمانية»؟
لا تعني نهاية العالمانية، ولا عودة أوروبا إلى الحكم الكنسي. إنها تعني أن المجتمعات التي قطعت شوطًا في العلمنة اضطرت إلى الاعتراف بأن الدين لم يختفِ كما توقعت بعض النظريات.
فالدين ما زال موجودًا، والعلمنة لم تنتهِ.
لقد تراجع اليقين بأن التحديث سيقضي حتمًا على الدين، وأصبح السؤال هو: كيف تشارك الجماعات الدينية داخل مجتمعات تحكمها مؤسسات وقوانين عالمانية؟
تقبل بعض التصورات الحديثة مشاركة الخطاب الديني في المجال العام، لكنها تشترط عادة أن تُترجم مطالبه إلى لغة دستورية أو أخلاقية عامة، وأن تبقى المرجعية النهائية للنظام السياسي بشرية. وهكذا لم يعد الدين ضيفًا يُتوقع رحيله قريبًا، لكنه لا يُقبل بالضرورة بوصفه مرجعًا مستقلًا ملزمًا.
العالم العربي: واقع مركَّب
لا يمكن وصف العالم العربي بأنه ديني بالكامل أو عالماني بالكامل. قد يجتمع في البلد الواحد:
ـ مجتمع واسع التدين.
ـ دستور يذكر الإسلام.
ـ قوانين ذات مصادر متعددة.
ـ مؤسسات حديثة متأثرة بالنظم الغربية.
ونخب تتنازع حول موقع الشريعة والدين من الحياة العامة.
وقد يتبنى شخص بعض المقولات العالمانية دون أن يستخدم هذا الاسم، كأن يقول إن الدين مهم في حياة الفرد، لكنه لا ينبغي أن يكون له أثر ملزم في التشريع.
وقد تكون المؤسسات قد شهدت علمنة واسعة بينما يبقى المجتمع متدينًا. وقد ترفع دولة خطابًا دينيًا، مع بقاء المرجعية التشريعية الفعلية موزعة بين مصادر ومؤسسات متعددة.
إذن، الواقع العربي ساحة تنازع وتداخل بين مرجعيات، وليس نموذجًا نقيًا واحدًا.
العالمانية بوصفها "نظام تشغيل"
لا تظهر العالمانية اليوم فقط في الدساتير أو الشعارات. إنها تعمل أحيانًا مثل نظام تشغيل يحدد صلاحيات الدين.
قد تسمح للدين بأن يعمل في المسجد والكنيسة والبيت والعمل الخيري، وربما في النقاش العام، لكنها تحدد ما إذا كان له الحق في الإلزام.
تظهر في أسئلة مثل:
ـ من يعرّف الزواج والأسرة؟
ـ من يحدد الحقوق وحدود الحرية؟
ـ هل الأخلاق حقائق ملزمة أم قيم متغيرة؟
ـ هل الدين مصدر معرفة أم تجربة شخصية؟
ـ من يملك القرار في قضايا الإجهاض والموت الرحيم والهندسة الجينية وتقنيات الإنجاب؟
العلم يمكن أن يخبرنا بما نستطيع فعله، لكنه لا يحدد وحده ما ينبغي فعله.
وهنا يعود سؤال المرجعية.
هل الدولة العالمانية محايدة؟
تقدم العالمانية نفسها عادة بوصفها ضمانًا لحياد الدولة في مجتمع متعدد الأديان.
ولا شك أن منع الإكراه والتمييز والاستبداد الديني مطالب ضرورية. لكن هل يمكن للدولة أن تكون بلا تصور للإنسان والحق والحرية والأسرة والخير؟ عندما تختار الدولة تعريفًا معينًا للزواج، فهي لا تبقى محايدة بين جميع التعريفات.
وعندما تقول إن الدين شأن شخصي، فهي تتبنى تعريفًا محددًا للدين.
وعندما تقبل الحجج النفعية أو الفردانية وتستبعد الحجج الدينية، فهي ترتب المرجعيات، ولا تقف خارج الخلاف. لا توجد دولة بلا قيم. الخلاف ليس بين دولة تملك قيمًا وأخرى محايدة تمامًا، بل بين مرجعيات مختلفة تحدد القيم والغايات والحدود.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




تشريح العالمانية - الجزء الثالث
من غار ثور إلى أسوار القسطنطينية
ربيعٌ في ربيعٍ في ربيع...
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.. مَوْلِدُ النُّورِ وَسِرَاجُ الرَّسَالَةِ
لا تغضب!