الأغلى مبيعًا

بدت عليها أعراض الحسرة والانكسار، فسألتُها: مابك؟
قالت: عدت قبل قليل من زيارة صديقة قديمة.. كانت تعيش في مدينة أخرى وانتقلت مؤخّرًا للعيش هنا في مدينتنا. فرحت لما دعتني لزيارتها فقد كانت لنا ذكريات طفولة ومراهقة جميلة ومضحكة.
كلّ شيء في بيتها يدارأو يفتح أو يغلق بلمسة رقيقة لزر من الأزرار.. تحدثتْ عن بيتها وكم كلف بناؤه، وعن حصولها على أعلى الشهادات وعن عملها وحفلة زواج ابنها وابنتها وعن سفرها إلى كل مكان... لدرجة أني تخيلت أن المال هو الذي يجلس معي ويتحدث إليّ، بل أموال هنا وأموال هناك على الجدران والأرض والمقاعد والأرائك وحتى في الهواء الذي يتنفسون!
قلت: وما المحزن في ذلك؟
قالت: اللهم بارك لها، والله لا أحسدها، لكن زيارتي تلك أظهرت لي الفرق الكبير بيني وبينها.
قلت: وإن يكن، هكذا خلق الله الناس، بعضهم فقراء وآخرون أغنياء وهناك ناس بينهم.
قالت: صحيح، لكنْ لي نفس بشَر، تغار وتتألم وتتحسر وتتمنى.
قلت: ياعزيزتي، الله أعطانا ورزقنا كلنا، أعطاك مالًا أقل من غيرك وأكثر من آخرين، ووهبك مهارات ومواهب وذكاء و زوجًا صالحًا وأبناء طيبين بارّين، أليست هذه أرزاقًا؟ صديقتك التي زرتِ رزْقها الواضح المال، لكنها قد لا تملك كل الذي تملكين من أرزاق، والمال ليس كل شيء في الحياة.
قالت منفعلة بعض الشيء: بل المال كل شيء في الحياة، بالمال تتنعمين وتسافرين وتتعلمين وتتعالجين وتشترين ما تشتهين، "المال والبنون زينة الحياة الدنيا"، فلا تتفلسفي أرجوك.
قلت: واللهُ قال في تتمة الآية نفسِها: "والباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عند ربك ثوابًا وخيرٌ أملا"، فالمال والبنون زينة صحيح، لكن للدنيا، أما الذّكْر والصالحات من الأعمال فهي" خير" وسماها الله الباقيات التي لا تزول ويبقى أثرها علينا جميلا في الدنيا ونجدها أجورًا عظيمة يوم القيامة وجنات خالدين فيها أبًدا.
ولعلك تنسين أن كل من على الأرض فان، وأنا سندفن في قبور صغيرة تحت الأرض مظلمة موحشة ومخيفة، ولن يجعلها مضيئة ولن يوسّعها ولن يحوّلها إلى روضة من رياض الجنة إلا صلواتنا وقرآننا وصالحاتنا أثناء حياتنا! لعلك عندما تلهيك الدنيا تنسين أنها لن تبقى وسينهيها الله بكن، ثم يحيينا من جديد ليحاسبنا!
حسنًا.. سأحدثك بطريقة أخرى، صديقتك القديمة (س) ألم تصب بالمرض الخبيث؟ وأنت بفضل الله بصحة جيدة! صديقتك (ص) لم ترزق بالأبناء ولا البنات، و(ع) لها ابنة وحيدة وتتمنى أن يرزقها الله ابنًا أو ابنة أخرى! جارتك (ن) نصف أبنائها معاقون! وكل هؤلاء يملكن من المال الشيء الكثير!
فهل يناسبك أن تكوني صاحبة أموال وأملاك ولك ولد واحد معاق؟ أيهما تفضلين: مرض لا برء منه و مال غزير في كفّة، أم صحة وفقر في كفّة؟ ياعزيزتي هكذا هي الأرزاق متنوعة: مال وبنون وصحة وذكاء وتوفيق وأمن و...، فانظري لنفسك كم عندك واحمدي الله واعلمي أن ما عندك يتمناه غيرك.
الدنيا زائلة وأسرع مما تظنين، ألست بالأمس القريب كنت في عمر العشرين؟ ألست كنت تظنين أن الأربعين والخمسين والستين على مسافة بعيدة جدًّا عنك؟ فما حالك اليوم؟ أين أنت من هذه الأعمار البعيدة؟ إنك تجاوزت المسافة ووصلتِ، وهكذا الدنيا بين لحظة وأخرى ستنتهي..
وبعد زوالها وبعْثنا من جديد سنحصد ما زرعنا، ثم إلى سلعة الله الغالية: الجنة التي ندخلها برحمته سبحانه، أو إلى نار نعوذ بالله منها.
"ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله هي الجنة" هكذا قال رسولنا صلى الله عليه وسلم، والفوز بالجنة يتطلب قلبا متعلقا بالله لا بالدنيا، بالصلوات والصيام والصدقات والأخلاق وصلة الأرحام والقرآن والدعاء وكفّ اللسان والإحسان وكل ما فرضه الله وما أحبّه وما أخبرنا به رسوله صلى الله عليه وسلم .
في الجنة القصور التي لايشبهها أي قصر في الدنيا ولا في الخيال، فيها المجوهرات واللآلئ نلبس ما نشتهي منها، أهل الجنة شبابهم دائم فلا يخافون من تجاعيد ولا ترهل ولا هرم، الخدم يطوفون حولهم كل وقت، أهل الجنة لا يحزنون ولا يمرضون ولا يقلقون ولا يموتون، هم خالدون في نعيم خالد.
في الحقيقة كل ما سبق هو حوار بيني وبين نفسي..
فبعد أن قالت لي نفسي وقلت لها سألتها: هل أقول لك المزيد؟
قالت: لا تقولي المزيد، فوالله إني أعرف كل الذي قلت، لكنها النفس الأمارة والشيطان فأعوذ بالله منهما.
وقلت وقد عاد لي عقلي: فليتحدث المال ولتتحدث الفلل والقصور ولتتحدث عمليات تغيير خلق الله والعري والفساد... أما نحن سنتحدث بالحمد ثم الحمد، سنتحدث بالرضا، رضا الله عنا ورضانا عنه سبحانه، فسلعة الله الغالية تستحق كل البذل والصبر.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث
رمضان والاغتنام الحقيقيّ لمَواسم الخير