ضحى رياض الظريف، من لبنان ـ صيدا، أستاذة لغة عربية، حائزة على إجازة في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية.
الصَّبرُ عند الابتلاءات نورٌ في زمن الظَّلام
الصَّبرُ من أعظم الفضائل التي يتَحلَّى بها الإنسان، وهو سلاحٌ قويٌّ يمدُّنا بالقوَّة والثَّبات في أوقات الابتلاءات، وخاصَّة الحروب. إنَّ الحرب تُعدُّ من أصعب التَّجارب التي يمرُّ بها الأفراد والمجتمعات، حيث تتَمزَّق الرَّوابط، وتُهدَم البيوت، وتفقد الحياة معانيها. وسط هذا الشَّقاء، يبقى الصَّبرُ هو النُّور الذي يُضيء الطَّريق، ويمنح الأمل للقلوب المنكَسِرَة.
في حديثٍ للرَّسول محمَّد ﷺ، قال: "إنَّما الصَّبرُ عند الصَّدمة الأولى" (رواه البخاري). يُشير هذا الحديث إلى أهميَّة تحمُّل الألم والابتلاء منذ اللَّحظة الأولى، إذ يتجلَّى الصَّبرُ كعنصرٍ أساسيٍّ لمواجهة الشَّدائد. كما قال تعالى في كتابه الكريم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (البقرة: 153). هنا يتجلَّى الرَّبط بين الصَّبر والصَّلاة، حيث تُعتبر الصَّلاة ملاذًا روحيًّا يُعين الإنسان على التَّغلُّب على الصُّعوبات.
عندما تندلع الحروب، يواجه النَّاس تحدِّياتٍ كبيرة. تتكسَّر الآمال، وتُفقَد الأرواح، وتتحوَّل المدن إلى أنقاض. ولكن من وسط هذا الدَّمار، نجد قصصًا رائعةً تُبرز قوَّة الصَّبر. تأمَّل في معاناة المواطنين الأبرياء في غزَّة أو سورية، عندما كان يتصاعد الدُّخان من مناطقهم، وجدناهم يرفعون أصواتهم بالصَّبر والدُّعاء..
عبر التَّاريخ، كانت الحروب والابتلاءات تُسطِّر قصصًا من الصَّبر والتَّحدِّي. في الحرب العالميَّة الثَّانية، عانت العديد من الدُّول من ويلات القتال، ولكنَّ الشُّعوب التي تحمَّلت وصبرت كافحت من أجل إعادة بناء أوطانها. عبر التَّضحية والصَّبر، استطاعت تلك الأمم النُّهوض من جديد.
إذا نظرنا إلى هشاشة الحياة في زمن الحروب، نجد أنَّ الصَّبر ليس مجرَّد فكرةٍ أو قيمة، بل هو أسلوب حياة. علَّمنا اللهُ الصَّبر من خلال قصَّة أيُّوب عليه السَّلام، الذي صبر على فقدان صحَّته وأهله. قال الله تعالى: "إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا" (ص: 44). هذه الآية تعكس مدى عظمة وأهميَّة الصَّبر في أوقات الشِّدَّة.
عند المرض يُعدُّ الصَّبر وسيلةً للشِّفاء. حين يواجه الإنسان الابتلاء، يساعده الصَّبر على التَّكيُّف والتَّأقلم مع وضعه الحالي. إنَّ الاستسلام للألم والمرارة لن يُسهم إلَّا في زيادة المعاناة. بينما يُعتبر الصَّبر فرصةً لزيادة الإيمان.
في خضمِّ الأزمات، نجد أنَّ الصَّبر يساعد الأفراد والعائلات والمجتمعات على إعادة بناء حياتهم. إنَّه يخلق رابطةً قويَّةً بينهم، إذ يصبحون أكثر اتِّحادًا، ويعملون معًا للمضيِّ قُدُمًا. فالإنسان بمفرده قد يضعف، ولكن بمشاركة معاناته مع الآخرين، ينمو فيه الإيمان والقوَّة.
في نهاية المطاف، يبقى الصَّبر هو السِّلاح الأهم في مواجهة الابتلاءات البشريَّة. عندما تشتعل نيران الحروب وتتلاشى الآمال، نجد أنَّ الصَّبر هو الأمل الباقي، وهو المكافأة التي يقدِّمها الله للَّذين يتحمَّلون الشَّدائد. كما قال رسولنا الكريم ﷺ: "عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كلَّه خير، إن أصابته سرَّاء شكر، وإن أصابته ضرَّاء صبر، وليس ذلك لأحدٍ إلَّا للمؤمن" (رواه مسلم).
فلنتذكَّر دائمًا أنَّ الصَّبر ليس غياب الألم، بل هو القدرة على التَّكيُّف معه والمضيِّ قُدُمًا نحو مستقبلٍ أفضل. على الرَّغم من كلِّ التَّحدِّيات، يبقى الصَّبر هو البذور التي تُزرع في قلوبنا، لتثمر أملًا وقوَّةً في أوقات الحروب والابتلاءات.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الصَّبرُ عند الابتلاءات نورٌ في زمن الظَّلام
مؤشرات التعب النفسي من المنظور الإسلامي
الإنفاقُ على الدَّعوة إلى الله تعالى؛ الوَعيُ والمَفهوم
بالإرادة تُصاغ الشخصيّة من جديد
دروس إيمانية من شهر رمضان المبارك