المرأة بين شعارات العالم وحقائق الميدان: قراءة أخلاقية في يوم المرأة العالمي
يحلّ الثامن من مارس من كل عام فيما يُسمّى بـ "اليوم العالمي للمرأة"، فتضجّ المنابر الإعلامية والسياسية بخطابات الاحتفاء والتكريم، وتُرفع الشعارات التي تتحدث عن تمكين المرأة وصيانة حقوقها والدفاع عن كرامتها، غير أن سؤالاً أخلاقيًّا عميقًا يفرض نفسه بقوة: أين هي المرأة التي يحتفل بها العالم؟ وأي امرأة يقصدها هذا الاحتفاء؟
فبينما تُضاء المنصات بالخطابات البراقة، تقف نساء كثيرات في بقاع متعددة من العالم تحت أنقاض الحروب والاحتلال والاستبداد، بين قتيلة وأرملة وأسيرة ونازحة ومهجّرة، وهنا يظهر التناقض الصارخ بين الخطاب الزائف للحضارة المعاصرة وواقعها العملي، وهو تناقض يكشف عن أزمة أخلاقية عميقة في النظام العالمي المعاصر.
أولاً: المرأة في غزة… بين الإبادة والصمت الدولي
من أكثر الصور قسوة التي تكشف هذا التناقض ما يجري في غزة، فبينما يحتفل العالم بشعارات الدفاع عن المرأة، تسقط آلاف النساء ضحايا القصف والدمار؛ حيث تشير تقارير رسمية من وزارة شئون المرأة في غزة إلى أن عدد الشهيدات من النساء منذ بدء الحرب تجاوز اثنتي عشرة ألفًا وخمسمائة امرأة، بينهن أكثر من تسعة آلاف أم، فيما خلّفت الإبادة الجماعية ما يزيد على واحد وعشرين ألف أرملة.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها حياة بشرية وأمهات وبنات كنّ يحملن أحلامًا وآمالًا، ثم انتهت حياتهن تحت ركام الحرب.
إن هذا المشهد يذكّر بقول الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 75]. فالقرآن يضع قضية المستضعفين من النساء في قلب المسؤولية الأخلاقية للأمة، لا في هامش الشعارات الإعلامية.
ثانياً: أرامل الحروب… الوجه الآخر للنظام الدولي
ليست غزة وحدها في هذا المشهد المأساوي، بل إن مناطق عديدة في العالم الإسلامي شهدت المأساة ذاتها.
ففي العراق، خلّفت الحروب المتتالية التي قادتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ملايين الضحايا، حتى أصبحت نسبة الأرامل من أعلى النسب في العالم العربي.
وفي سوريا واليمن، خلّفت الحروب المدمرة مئات الآلاف من الأرامل واليتامى؛ حيث تحولت المرأة في كثير من الأحيان إلى المعيل الوحيد للأسرة بعد أن فقدت الزوج أو الأب أو الابن.
إن هذه الوقائع تكشف أن النظام الدولي الذي يتحدث كثيرًا عن حقوق المرأة هو نفسه الذي أنتج سياساتٍ وحروبًا أدت إلى تشريدها وترمّلها وإفقارها.
ثالثاً: المرأة بين السجون والاضطهاد السياسي
في أماكن أخرى من العالم، تعاني النساء من صور مختلفة من القمع والاضطهاد.
ففي مصر، تشير تقارير حقوقية إلى وجود عدد كبير من النساء المعتقلات أو المختفيات قسريًّا في سياقات سياسية وأمنية، وبعضهن في زنازين انفرادية!
وفي تركستان الشرقية، تتحدث تقارير دولية عن آلاف النساء الإيغوريات المحتجزات في معسكرات الاعتقال التي أقامتها السلطات الصينية، حيث تُرتكب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
وهكذا نجد أن المرأة التي يُحتفى بها في الخطابات الدولية ليست هي المرأة الواقعية التي تعاني في مناطق النزاع والقمع.
رابعاً: أزمة أخلاقية في الحضارة المعاصرة
إن هذا التناقض بين الخطاب والواقع يكشف عن أزمة أخلاقية عميقة في الحضارة المعاصرة؛ فهذه الحضارة ترفع شعارات الحرية والكرامة والحقوق، وفي الوقت نفسه تسمح في الوقت نفسه بوقوع هذه المآسي، هي حضارة تعاني ازدواجية أخلاقية واضحة.
وقد ظهرت بعض مظاهر هذا الانهيار الأخلاقي في فضائح عالمية كشفت عن شبكات استغلال جنسي للأطفال والنساء، مثل فضيحة إيبستين التي هزّت الرأي العام العالمي، وأظهرت أن كثيرًا من مراكز النفوذ قد تكون مرتبطة بغرف مظلمة لا يعلم حقيقتها إلا القليل.
وهذا يطرح سؤالاً عميقًا: هل يمكن لمنظومة أخلاقية مضطربة أن تحمي الإنسان، فضلاً عن أن تحمي المرأة؟
خامسًا: المرأة في المنظومة الحضارية للإسلام
في مقابل الاضطراب الأخلاقي الذي يكشفه الواقع المعاصر في التعامل مع المرأة، يقدم الإسلام تصورًا حضاريًا متكاملًا ينطلق من تكريم الإنسان ابتداءً، لا من معالجة جزئية أو شعار موسمي؛ فالمرأة في الرؤية الإسلامية ليست موضعها هامشيًّا في الخطاب الشرعي الاجتماعي، بل هي جزء أصيل من البناء الإنساني الذي أقامه الإسلام على أساس الكرامة والعدل والتكامل.
وقد قرر القرآن الكريم مبدأ التكريم العام للإنسان في أصل خلقه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. وهذا التكريم يشمل الرجل والمرأة معًا، لأنهما يشتركان في أصل الإنسانية، وفي حمل الأمانة، وفي التكليف والمسؤولية.
كما أكد القرآن وحدة المعيار الأخلاقي في الجزاء والثواب، فقال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].
ومن ثمّ فإن مكانة المرأة في الإسلام لا تُقاس بوظيفة اجتماعية محدودة، بل تُفهم في إطار منظومة شاملة تشمل الأسرة والمجتمع والحقوق والتشريع والأخلاق، فقد حمى الإسلام المرأة من صور الظلم التي عرفتها كثير من المجتمعات القديمة، فحرّم وأد البنات، وصان حقها في الحياة والكرامة، وضمن لها حقوقها المالية والشخصية، وجعلها محفوظة في كل أحوالها: أمًّا وزوجةً وبنتًا وأختًا، وجعل العلاقة بينها وبين الرجل قائمة على العدل والرحمة والتكامل لا على الصراع أو الاستغلال.
كما قررت السنة النبوية هذا المعنى في وصاياها المتكررة بالنساء، فقال النبي ﷺ: "استوصوا بالنساء خيرًا"([1]).
وقال ﷺ مبينًا معيار التفاضل الأخلاقي داخل الأسرة: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"([2]).
وهكذا يتبين أن تكريم المرأة في الإسلام ليس شعارًا يُرفع في مناسبة، بل هو جزء من بنية تشريعية وحضارية كاملة تؤسس للعلاقات الإنسانية على أساس الرحمة والعدل وصيانة الكرامة.
سادساً: بين شعار اليوم العالمي ومنهج الله
وعند المقارنة بين هذا التصور الإسلامي وبين الخطاب العالمي المعاصر حول المرأة، يظهر فرق عميق بين منهج حضاري متكامل ومنظومة شعارات موسمية؛ ففي كثير من الأحيان تُستحضر قضية المرأة في الخطاب الدولي بوصفها رمزًا إعلاميًّا أو ورقة سياسية، تُرفع باسمها الشعارات، بينما تظل معاناتها في مناطق الحروب والفقر والاضطهاد خارج دائرة الاهتمام الحقيقي.
أما في الإسلام، فإن مكانة المرأة تتجلى في كونها ركنًا أصيلاً في بناء المجتمع، تبدأ كرامتها من طفولتها، وتتعاظم منزلتها حين تكون أمًّا ومربيةً للأجيال، وتستمر حقوقها مصونة في مختلف مراحل حياتها.
ولهذا جاءت النصوص الشرعية تؤكد مكانة الأم تأكيدًا لافتًا، حين سأل رجل النبي ﷺ: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أبوك»([3]).
إن هذا التكرار المقصود في تقديم الأم ثلاث مرات يكشف عن موقع المرأة في صميم البناء الأخلاقي للمجتمع الإسلامي؛ فهي الأصل الذي تُربَّى فيه الأجيال، والمدرسة الأولى التي يتشكل فيها الضمير الإنساني.
ومن هنا يظهر الفرق بين حضارة قد تحتفي بالمرأة يومًا في السنة، وبين شريعة جعلت تكريم المرأة قيمة دائمة في الضمير الديني والبناء الاجتماعي.
خاتمة: بين الشعارات والميزان الأخلاقي
إن المآسي التي تعيشها النساء في مناطق الحروب والاضطهاد تكشف عن خلل عميق في الضمير الأخلاقي للنظام العالمي المعاصر؛ فالعالم الذي يكثر من الحديث عن حقوق المرأة لا يزال عاجزًا عن حماية أبسط حقوقها في الحياة والأمن والكرامة.
وهذا التناقض يطرح ضرورة مراجعة جذرية للمنظومة الأخلاقية التي تحكم العلاقات الدولية، لأن الشعارات وحدها لا تصنع عدلًا، ولا تحمي إنسانًا، ولا ترفع ظلمًا.
إن الإنسانية بحاجة إلى ميزان أخلاقي راسخ يقوم على العدل والرحمة وصيانة الكرامة الإنسانية، وهو الميزان الذي لخّصه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. فإذا استعاد الإنسان هذا الميزان الإلهي، أمكن أن تُصان كرامة المرأة والرجل معًا، وأن تعود القيم الإنسانية إلى موقعها الصحيح في بناء الحضارة.
أما إذا بقيت القيم الأخلاقية أسيرة الخطابات السياسية والاحتفالات الرمزية، فإن السؤال سيظل يتردد كل عام مع حلول هذا اليوم: أين المرأة التي يحتفل بها العالم؟
([1]) أخرجه البخاري (5186) ومسلم (1468). بسندهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.
([2]) أخرجه الترمذي (3895) بسنده عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقال: "حديث حسن صحيح".
([3]) أخرجه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) بسندهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




المرأة بين شعارات العالم وحقائق الميدان: قراءة أخلاقية في يوم المرأة العالمي
الصَّبرُ عند الابتلاءات نورٌ في زمن الظَّلام
مؤشرات التعب النفسي من المنظور الإسلامي
الإنفاقُ على الدَّعوة إلى الله تعالى؛ الوَعيُ والمَفهوم
بالإرادة تُصاغ الشخصيّة من جديد