الزَّاد الوفير في العَشر الأخير
مع إشراقة العشر الأواخر من شهر القرآن، يبلغ موسم الطاعة ذروة بهائه، وتتألَّق خواتيمه بنورٍ يفوق فجر بداياته. هي محطة الاستباق وملاذ المشتاق، ولعلَّ تفضيل هذه الأواخر على ما سواها يكمن في ستة أحوالٍ ترسم ملامح التميَّز وتفتح أبواب الاصطفاء:
الحالة الأولى: أنَّ هناك ذِكرًا لليالي العَشر في أوَّل سورة الفجر، وقد ذهب من أهل العلم من اختار تأويلها بالعشر الأخير من رمضان. ومن المؤيِّدات في ذلك ما ورد عن رسول الله ﷺ عندما قال عنها: "ما من أيَّامٍ أعظم ولا أحبّ إلى الله العمل فيهنَّ من هذه الأيَّام العشر، فأكثروا فيهنَّ من التَّهليل والتَّكبير والتَّحميد" رواه الإمام أحمد. وهذا في سُنَّة القول، وأمَّا في سُنَّة الفعل فقد ورد عنه عليه الصَّلاة والسَّلام بما نصُّه: "وإنَّما كان النَّبيُّ ﷺ يجدُّ ويجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها".
الحالة الثَّانية: ما هو خاصٌّ باجتهاد رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام فيه أكثر من غيره من الشَّهر الكريم في بداياته خصوصًا، وفي كلِّ أشهر العام عمومًا. ولنا في حديث السَّيدة عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها سندٌ متين في ذلك، ونصُّ الحديث يقول: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشرُ أحيا اللَّيل وأيقظ أهله وجدَّ وشدَّ المئزر" متفق عليه. وهذا يعني فيما يعنيه التماس رسول الأمَّة لما تجمَّع فيه وتجتمع هذه الأيَّام المباركة من رمضان الكريم في عشره الأخير؛ حيث إنَّ لقيام اللَّيل فيه وإيقاظ الأهل للمشاركة في الثَّواب والأجور، والابتعاد بشدِّ المئزر عن النِّساء بقصد التَّفرُّغ للتَّعبُّد والتَّبتُّل وتلاوة القرآن وكلِّ أنواع الذِّكر والدُّعاء والتَّضرُّع. وفي ذكر الحديث بالابتداء فيه بقيام اللَّيل وإيقاظ الأهل ما يفيد أهميَّة الاعتكاف بالعشر الأخير كاملًا، مع تقديم اللَّيل فيه على النَّهار وفي كلاهما خير، ولكنَّ الأولى الاغتنام فيه وقت السَّحر وثلث اللَّيل الأخير، حيث يكون القرب والاقتراب أعظم، وفيه الثَّواب الأكبر لكثرة التَّزلف والتَّضرُّع لبلوغ المراد.
الحالة الثَّالثة: إنَّ لكلِّ زادٍ بلوغ خاتمته ومنتهاه، ولشهر رمضان المبارك مثل ذلك البلوغ بأهله؛ حيث إنَّ الصَّائم قد جمع في عشرين يومًا من صيامه أقصى ما يمكنه جمعه من الطَّاعات والقربات، من صيامٍ وقيام وتلاوةٍ للقرآن وصدقةٍ فيها البرهان، وجاء العشر الأخير ليكون فيه زاد التَّحصيل في رمقه الأخير؛ فلا بدَّ من الزَّاد في آخر المسير بلا تعطيلٍ ولا تأجيلٍ ولا منعٍ ولا تقتير.
الحالة الرَّابعة: عدم التَّغافل عن وجود ليلةٍ في العشر الأخير هي -وبشهادة ربِّ السَّماء- خيرٌ من ألف شهر. وإذا اجتمع خير رمضان بخير عشره الأخير بخير ليلة القدر فيه، فيكون ذلك كمن ملك كنوزًا تقف مقارنة كنوز كسرى وقيصر به كمن ينام على الحصير. وهذه اللَّيلة المباركة شرَّف الله قدرها لأنَّ فيها نزل القرآن، فشرَّف الله قدرها عندما شرَّف ما نزل فيها. ويمكن أن تكون ليلة القدر مقارنةً بالأيَّام العشر كمن وضع تاجًا مرصَّعًا على رأسه، وكانت الياقوتة هي أحلى زينةٍ توضع في مقدِّمة رأسه؛ فمن أدركها فقد أدرك خيرًا لا يمكن حصره ولا عدُّه، ومن فاتته فكأنَّما وُتِرَ ماله وأهله.
. الحالة الخامسة: لا بدَّ من التَّذكُّر بأنَّ شهر رمضان هو شهر الجود والبركة والإحسان، وكلّ ذلك مجموعٌ أمره في صدقة التَّطوُّع وزكاة الصِّيام، سيَّما وأنَّها مرتفعٌ أجر صاحبها أضعافًا مضاعفةً في كلِّ شهر الصِّيام، وهي في عشره الأخير وفي ليلة القدر على وجه التَّقدير تساوي كمن تصدَّق بأجر ثواب ألف شهر، مقارنةً بلفظ العموم الدَّاخل معناه في قوله تعالى: {خيرٌ من ألف شهر}. ومن يكسب ثوابًا عظيمًا لليلٍ قامه ونهارٍ صامه، فلا بدَّ أن يدركه الثَّواب لطعامٍ أو كساءٍ أو دواء.
الحالة السَّادسة: وهي استدراك الفتور الكبير الذي يصيب من صام وقام حتَّى بلغ العشر الأخير، ثمَّ إنَّك تراه قد أصابه مللٌ وتقصير، بعد أن كان لا ينام إلا القليل ويزاحم إخوانه في القيام في المساجد بالجماعة والتَّراويح؛ فلمَّا بلغ عشر صومه الأخير أصابه ما ذكرنا من تقاعسٍ وتراجع. فما كان أفضل له ممَّا جمعنا ذكره في فضل العشر الأخير ليكون له فيه تذكُّرٌ وتدبير، وزادٌ على خطى سفر الدُّنيا القصير وصولًا لسفر الآخرة الطَّويل. والحمد لله ربِّ العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الزَّاد الوفير في العَشر الأخير
رمضانُ يشدُّ الرحال
المرأة بين شعارات العالم وحقائق الميدان: قراءة أخلاقية في يوم المرأة العالمي
الصَّبرُ عند الابتلاءات نورٌ في زمن الظَّلام
مؤشرات التعب النفسي من المنظور الإسلامي