الأناقة عنصر من عناصر ترويج المحتوى، ولهذا يدخل في عالَم التّسويق والعلاقات العامّة أن يرتدي الموظّف ثيابًا لائقة رسميّة تعبّر برقيّ في الشّكل عن رقيّ في المضمون التّجاريّ.
قد يرى بعض النّاس أنّ الشّكل الخارجيّ يصرف الـنّظر عن الجوهر الثّمين، وهذا غير دقيق. ألم يقل الله تعالى للّذين يقبلون على المساجد بقلوب خاشعة زاخرة بالـتّقوى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد}؟ إنّما يكون الخلل في حالتين، الأولى أن يطغى المظهر على الجوهر، والثّانية أن يقتصر الأمر على المظهر.
والأساس في الخطّ الأنيق أنّه يعبّر عن استمتاع الكاتب بما يكتب، وشعوره بالرّفعة مع كلّ حرف ينساب من قلمه، وهو أيضًا يعبّر عـن ذاتٍ عاشقةٍ للفنّ، تحبّ الـتّرتيب، وتجد فيه مُعينًا في الـتّفكير، وتنظيم عناصر أيّ موضوع، واسترجاع الأفكار المدوّنة بسلاسة ورشاقة.
انطلقنا من هذه المقدّمة لنصل إلى خَطْبٍ بارزٍ، وهو رداءة الخطوط الّتي يكتب بها معظم النّاس في العقود الأخيرة، فهي لا تخضع لمنهج موسوم من الخطوط العريقة، كخطّ الرّقعة، أو خطّ الـنّسخ، أو خطّ الثّلث، أو الخطّ الفارسيّ، أو الخطّ الدّيوانيّ، وهي علاوة على ذلك تفتقر إلى الوضوح في كثير من الحالات، ويستعصي على كاتبها ذاتِه أن يقرأها بعد حين!
وهذه المشكلة ليس مردّها إلى السّرعة والرّغبة الحثيثة في إنجاز المطلوب كتابيًّا، قد يكون هذا في حالات قليلة، ولكنّ المشكلة أوسع، فالعربيّ بات لا يتلقّى قواعد الخطّ في مدرسته أو في جامعته، إلّا نادرًا، لأنّه لا شيء في منهج هذه أو تِلكَ يرعى هذا الجانب.
والمعلّمون أنفسهم باتُوا لا يعرفون هذه القواعد، ولا يحرصون على أناقة الخطّ، وإذا تأنّقوا ابتدعوا واختلقوا، وهكذا ينتقل الخلل إلى الطّلّاب بفِعْلِ المحاكاةِ التِّلقائيّة.
ولقد أسهَمَتِ الحياة الرّقميّة في تأزيمِ المشكلة، لأنّ النّاس بمعظمهم لا يخطّون ما يكتبون، بل يرسلونه مطبوعًا عبر الرّسائل القصيرة، أو يخزنونه مطبوعًا أيضًا في ذاكرات الهواتف، أو الحواسيب. وإذا ذهبنا إلى غالب الـتّعليم المدرسيّ وجدنا الانصراف عن الكتب الورقيّة إلى الكتب الإلكترونيّة، ووجدنا الـتّوجّه إلى المهامّ الكتابيّة المعتمدة على إرسال روابط يكتفي فيها الطّالب بضغط أزرار اللّوحة لتسجيل إجاباته.
يرافق هذه الأسبابَ استهتارٌ عامّ وعارم بهذه اللّغة، وبكلّ ما يمتّ إلى العناية بها بصلة، ولا سيّما أنّ الطّالب منذ نعومـة أظفارِه يكتب بالحروف الأجنبيّة أكثر ممّا يكتب بالحروف العربيّة، في غالب المدارس، وتعتاد هذه الحروفَ أنامِلُه، حتّى تصبح مسيطرةً على طريقة رسمه للحروف العربيّة، فتأتي مشوَّهة. وهذه هي الـنّكبة الكبرى.
ينبغي أن نشهَدَ تحرُّكًا واسعَ الـنِّطاق، لإعادة الرّونق إلى حروفنا، وبثّ البهجة فيها، لتبقى صادحةً أنيقةً، لا يفوتُها شيءٌ من حُسْنِ الهِندامِ، وإذا آمنّا أنّ اللّغة مكوّن أساسيّ في ثقافتنا العريقة، فلـنَشُدَّ العزم بنيّات صادقةٍ وإراداتٍ صُلْبةٍ.
أعيدونا إلى الخط الأنيق
الزَّاد الوفير في العَشر الأخير
رمضانُ يشدُّ الرحال
المرأة بين شعارات العالم وحقائق الميدان: قراءة أخلاقية في يوم المرأة العالمي
الصَّبرُ عند الابتلاءات نورٌ في زمن الظَّلام