الشاهدُ العظيم.. في براءةِ أمِّ المؤمنين
لقد شرَّفَ اللهُ تعالى الأرضَ بشرفِ ما بُنيَ عليها، فشرَّفَ -سبحانَه- أرضَ الحجازِ (بلادَ مكَّةَ) بالبيتِ العتيقِ، وشرَّفَ بلادَ الشامِ بشرفِ المسجدِ الأقصى، وباركَ في كِليهما بما مرَّ عليهما وأقامَ فيهما وبينَ جنباتِهما من البلادِ والأمصارِ من الأنبياءِ والرُّسلِ المقرَّبين.
ولقد كانَ ذلكَ كلُّه في وادٍ لكلِّ رسلِ اللهِ، ولمحمَّدٍ ﷺ ومَن نالَ شرفَ صحبتِه وقرابتِه ومصاهرتِه في وادٍ آخر؛ وهو ما يقودُنا القولُ فيه إلى آخِرِ عنقودٍ في أهلِ بيتِ رسولِ اللهِ، ألَا وهي الطاهرةُ بنتُ الطاهرِ، السيِّدةُ عائشةُ بنتُ الصدِّيقِ أبي بكرٍ -رضي اللهُ تعالى عنه وأرضاه-.
ورضي اللهُ عنها وأرضاها؛ فاللهُ تعالى قال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 24-25]. أجَل، إنَّها شجرةُ التوحيدِ وكلمةُ "لا إله إلا الله" في أكثرِ ما يُقالُ في معناها، ولا يخرجُ عن هذا المعنى الطيِّبِ الأصيلِ أنَّ بيتَ رسولِ اللهِ ﷺ ومَن عاشَ في كنفِه وتربَّى في ظلالِه وكانَ له شرفُ الاقترانِ به جسدًا وروحًا وأدبًا وعلمًا لا يمكنُ فصلُه عن سياقِ معنى الآيةِ العامِّ، في أنَّ الشجرةَ الطيِّبةَ لا يمكنُ أن يخرجَ منها إلَّا الثمرةُ الطيِّبةُ، والعكسُ كذلك.
ولقد طهَّرَ اللهُ تعالى نبيَّه ظاهرًا وباطنًا، عقلًا وقلبًا، وروحًا وجسدًا؛ وما كانَ لمَن كانت زوجًا له وقرينًا في المأكلِ والمشربِ والمنامِ وفي الحلِّ والترحالِ وفي العلمِ والأدبِ أن تكونَ بعيدةً عن هذا كلِّه. وإذا كانَ المثَلُ المشهورُ يقولُ: (قُل لي مَن تعاشِر، أقُل لكَ مَن أنت)، فإنَّ مَن يعاشرُ ويقترنُ بخيرِ خلقِ اللهِ لا بدَّ وأن تُعرَفَ فيه (آثارُه) ويكن له ظلًّا ومثالًا.
وسيرةُ أمِّ المؤمنين وما قيلَ بحقِّها من أقوالٍ ناصعةِ البياضِ هو المدخلُ إلى صدِّ كلِّ الأقاويلِ المغرضةِ بحقِّها، والتي بدأت بـ "حديثِ الإفكِ" الذي تولَّى كِبْرَه رأسُ المنافقين عبدُ الله بنُ أبيِّ بنِ سلول، ومرَّت بمعركةِ الجمَلِ مع سيِّدنا عليٍّ -كرَّم اللهُ وجهه-، ولم تنتهِ مع أصحابِ النفوسِ المريضةِ الذين ما توقَّفوا عن إشعالِ نارِ الفتنةِ فيها في عصرِنا الحاضرِ، لأغراضٍ لا يستفيدُ منها إلَّا أعداءُ الإسلامِ وأعداءُ رسولِه ﷺ.
لقد سُئلَ رسولُ اللهِ ﷺ: (أيُّ الناسِ أحبُّ إليك؟ قال: عائشةُ). ووصفَها زوجُها رسولُ ربِّ العالمين بـ (الحُميراء) لبياضِ بشرتِها المشربةِ بحمرةٍ. وفي الحديثِ: (خُذوا نصفَ دينِكم عن هذه الحُميراء). وفي حديثٍ آخرَ قالَ النبيُّ ﷺ: (أُريتُكِ في المنامِ ثلاثَ ليالٍ، جاءني بكِ الملكُ في سَرَقةٍ من حرير، فيقولُ: هذه امرأتُك، فأكشِفُ عن وجهِك فإذا أنتِ هي).
وإذا أردنا الحديثَ عن علمِها ومناقبِها ففي ذلكَ ذخائرُ من القولِ، ومنها ما قالَه الإمامُ الزُّهريُّ: (لو جُمعَ علمُ عائشةَ إلى علمِ جميعِ أزواجِ النبيِّ ﷺ لكانَ علمُ عائشةَ أفضلَ). وكانت بارعةً في الطبِّ مع الحديثِ بالسويَّةِ، وممَّا رُويَ في ذلك بلسانِها: (أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يسقَمُ عندَ آخِرِ عُمرِه، فتقدَمُ عليه وفودُ العربِ تنعتُ له الأنعاثَ [الأدوية]، فكنتُ أعالجُه له).
إنَّ منزلةَ أمِّ المؤمنين عائشةَ يمكنُ الاكتفاءُ بذكرِ ما وصفَه القرآنُ بحقِّها وحقِّ أهلِ بيتِ رسولِ اللهِ اللواتي وصفَهنَّ اللهُ بأنَّهنَّ أمهاتُ المؤمنين، لقولِه تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}. ولو أخذنا بالقولِ الراجحِ في المرادِ بقولِه تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، بأنَّ المرادَ به أزواجُ النبيِّ تحديدًا لتعلُّقِ الآيةِ بما قبلَها، لكانَ ذلك كافيًا لإنزالِ مَن أذهبَ اللهُ عنهم الرِّجسَ وطهَّرَهم تطهيرًا أن يعلوَ اسمُهم وذكرُهم الطيِّبُ عن كلِّ منقصةٍ في النفسِ والدِّينِ والخُلقِ القويمِ.
وكيفَ يُعقَلُ لمَن سمَّاهم اللهُ -ومنهم عائشةُ رضي اللهُ عنها- بأمِّ المؤمنين أن يخوضَ مَن خاضوا بحقِّها، ولوَّثت ألسنتُهم سمعتَها الزكيَّةَ مجاراةً لأصحابِ الإفكِ؛ لا لشيءٍ إلَّا لأنَّها -وباجتهادٍ منها- خالفت الإمامَ عليًّا -كرَّم اللهُ وجهه-؟ وليسَ يعني ذلك أنَّ عداوةً نشبت بينَ زوجِ النبيِّ وصهرِه، بل هي مخالفةٌ في الرأيِ، ولا يفسدُ الخلافُ في الرأيِ مودَّةً. وممَّا رُويَ في ذلك الموقفِ في معركةِ الجمَلِ ما قالَه شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ -رحمه الله-: (فإنَّ عائشةَ رضي اللهُ عنها لم تُقاتِل، ولم تخرج لقتالٍ، وإنَّما خرجت لقصدِ الإصلاحِ بينَ المسلمين، وظنَّت أنَّ في خروجِها مصلحةً للمسلمين، ثمَّ تبيَّنَ لها فيما بعد أنَّ تركَ الخروجِ كان أوْلى، فكانت إذا ذكرت خروجَها تبكي حتَّى تبلَّ خمارَها).
إنَّ اللهَ سبحانَه أنزلَ في كتابِه العزيزِ براءةَ زوجِ النبيِّ أمِّ المؤمنين، وكانَ اللهُ تعالى أعلمَ بالاختيارِ في براءةِ الأبرارِ ممَّا لاكته ألسنةُ الفجَّارِ الأشرارِ، وذلك ليكونَ درسًا مستمرًّا لكلِّ مَن يأتي وإلى يومِ القيامةِ، لئلَّا يخوضَ مع مَن خاضوا ظنًّا منه أنَّه يأخذُ بثأرِ مَن والاه وجعلَه إمامَه؛ قصدتُ به سيِّدنا عليًّا الذي لم يقف -وهو صهرُ رسولِ اللهِ وهو مَن هو منزلةً في الإسلامِ- ما يقفُه أصحابُ الإفكِ الجديدِ.
إنَّ مَن يدَّعي كذبًا وزورًا أنَّ اللهَ وصفَ من نساء الأنبياءِ اثنتينِ منهنَّ -وبنصِّ الآيةِ الكريمةِ- بالخيانةِ لأزواجِهم، قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم: 10]، أقولُ: إنَّ مَن يحتجُّ بالآيةِ الكريمةِ تلك ليسوِّقَ مقولةَ "الخيانةِ" بحقِّ أزواجِ الأنبياءِ إنَّما هو جاهلٌ مع فسقِ مقولتِه تلك؛ ذلك أنَّ اللهَ نزَّهَ أزواجَ أنبيائِه عن كلِّ خُلقٍ ذميمٍ يتعلَّقُ بالأعراضِ والأنسابِ، وإنَّما المرادُ بالخيانةِ في الآيةِ: الخيانةُ في الدِّينِ (أي الكفر) وحَسْبُ.
وبناءً عليه، فإنَّ واجبَ المؤمنين أن يعوا حدودَ ما أنزلَ اللهُ في ذلك الأمرِ العظيمِ الخاصِّ بأهلِ بيتِه المطهَّرين، مصداقًا لما أوصى به القرآنُ من عدمِ الخوضِ مع مَن خاضوا، لا حاضرًا معهم ولا مستقبلًا بدونهم، لقولِه تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
وآخِرُ ما ينبغي قولُه هنا: إنَّ اللهَ سبحانَه قد حفظَ أزواجَ نبيِّه بعدمِ إيذائِه فيهنَّ، وذلك في آيتينِ جمعتا: أولًا منعَ الأذى عنه بهنَّ، ومنعَ الأذى عنهنَّ به. وثانيًا عدمَ مشروعيَّةِ أن يكونَ هناك تحليلٌ للزواجِ لأحدٍ من الصحابةِ لزوجةٍ من زوجاتِه من بعدِه على سبيلِ التأبيدِ. وفي كِلا النهيَينِ ما فيه برهانٌ وأسطعُ بيانٍ في عدمِ الجرأةِ تجاهَ مَن جمعَهم اللهُ مع نبيِّه، وكانوا في كنفِه وفي ركنِه، أزواجًا له لا أخدانًا.
جعلَنا اللهُ وإيَّاكم ممَّن يستمعونَ القولَ فيتَّبعونَ أحسنَه، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الشاهدُ العظيم.. في براءةِ أمِّ المؤمنين
كيف نربي أبناءنا على عقيدة التوحيد؟
هِــيَ الــحَــرب
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الرابع عشر
إعدام الأسرى من عكا إلى الكنيست.. قانون الموت يتكرر