المراهق ووسائل التواصل: إدمان خطير وآثار مدمِّرة
في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل جزءًا لا يتجزّأ من حياة المراهق، تحوّلت هذه المنصات من أدوات نافعة إلى سلاحٍ ذي حدين، قد يرفع صاحبه أو يرديه. فالمراهق اليوم يعيش بين ضغط الواقع وجاذبية العالم الرقمي، وبينهما تتشكل شخصيته وقيمه. ومن هنا تأتي الحاجة إلى قراءة هذه الظاهرة بوعيٍ إسلامي يضبط السلوك ويهدي الطريق.
أولًا: الإدمان الرقمي… بداية الانحدار
الإدمان لا يأتي فجأة، بل يبدأ بتعلق بسيط، ثم يتحول إلى عادة، ثم إلى حاجة لا يستطيع المراهق الاستغناء عنها؛ فيقضي الساعات الطوال أمام الشاشة، يضحك ويغضب ويتأثر، بينما عمره يتسرب دون وعي. وفي ميزان الإسلام، الوقت أمانة، قال النبي ﷺ: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه".
ثانيًا: آثار مدمرة على النفس والقلب
ضعف الإيمان وقسوة القلب: كثرة الانشغال تُضعف الصلة بالله، وتُذهب لذة العبادة، فيصبح القلب قاسيًا لا يتأثر.
فساد البصر والفكر: التعرض لمحتوى غير لائق يلوث الفطرة، ويجعل المعصية أمرًا مألوفًا.
القلق والاكتئاب: المقارنة المستمرة مع حياة الآخرين "المصطنعة" تولد شعورًا بالنقص.
الفراغ الداخلي: رغم كثرة الانشغال، يشعر المراهق بفراغ روحي؛ لأنه لم يملأ قلبه بما ينفعه.
ثالثًا: آثار سلوكية داخل المدرسة
ضعف التركيز والتحصيل الدراسي: السهر والتشتت يؤثران سلبًا على الأداء العلمي.
التنمر والسخرية: نتيجة التأثر بثقافة الاستهزاء المنتشرة عبر الفضاء الرقمي.
العنف والتمرد: تقليد سلوكيات عدوانية تُعرض على المنصات وتلميعها.
رابعًا: آثار اجتماعية تهدد المجتمع
تفكك العلاقات الأسرية: الانشغال المستمر يقلل من نقاط التواصل الحقيقي بين أفراد الأسرة.
انتشار القيم السطحية: طغيان الاهتمام بالمظاهر على حساب الجوهر والأخلاق.
نشر الفساد: إعادة نشر محتوى سيئ يساهم في انتشاره، وقد قال ﷺ: "من سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها".
خامسًا: خطر التواصل مع جهات مشبوهة أو جماعات متطرفة
من أخطر الانحرافات التي قد يقع فيها المراهق عبر وسائل التواصل، هو الانجراف نحو التواصل مع جهات مجهولة أو جماعات تستهدف استقطاب الشباب فكريًا. تبدأ هذه الجهات غالبًا بأسلوب ناعم: محتوى عاطفي، شعارات براقة، حديث عن "الحق" أو "نصرة المظلوم"، ثم تتدرج في بث أفكار متشددة أو منحرفة، وقد تصل إلى تبرير العنف أو زرع الكراهية تجاه المجتمع.
المراهق بطبيعته يبحث عن معنى وقيمة، فإذا لم يجد التوجيه الصحيح، قد يقع فريسة سهلة لهذه الخطابات. وهنا يحذر الإسلام من الفتن والانجراف وراء الدعوات التي تفسد الأمن وتؤذي الناس، قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}، كما أن حفظ النفس من مقاصد الشريعة العظمى.
إن خطورة هذا النوع من التواصل لا تقف عند حدود الفكر، بل قد تمتد إلى سلوكيات خطيرة أو مشاكل قانونية تهدد مستقبل المراهق. لذلك يجب تعليمه الحذر، وعدم الثقة بأي جهة مجهولة، والرجوع إلى أهل العلم والثقة عند الشك، مع ترسيخ مفهوم الوسطية والاعتدال.
سادسًا: كيف يعالج الإسلام هذه الظاهرة؟
تعزيز مراقبة الله (التقوى): أن يستشعر المراهق أن الله يراه في كل ما يفعله، في السر والعلن.
تنظيم الوقت: وضع حدود واضحة لاستخدام الأجهزة، وتقديم الواجبات والفرائض على الترفيه.
غض البصر وحفظ الجوارح: اختيار المحتوى بعناية، والابتعاد عن كل ما يفسد القلب.
الصحبة الصالحة: اختيار من يؤثر عليه إيجابًا في الواقع الافتراضي والحقيقي.
الحوار الأسري: فتح باب النقاش بدل القمع، وفهم احتياجات المراهق النفسية.
البدائل النافعة: ربطه بالقرآن، الرياضة، القراءة، والأنشطة التي تبني الشخصية القيادية.
وسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا، لكنها تتحول إلى خطر حين تُسيطر على المراهق بدل أن يسيطر هو عليها. وفي المنظور الإسلامي، حماية النفس والقلب مقدمة على كل شيء. فالمراهق الذي يُربّى على مراقبة الله، ويُوجّه بحكمة، سيكون قادرًا على استخدام هذه الوسائل فيما ينفعه. فصلاح الجيل اليوم هو أمان الغد، وبناء الوعي هو الحصن الحقيقي في وجه كل خطر.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
الكلمات الدالة : المراهق المراهقة التربية الإيمانية- مسؤولية- الطفل- الأهل التربية- الحوار- الأبناء إدمان
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




المراهق ووسائل التواصل: إدمان خطير وآثار مدمِّرة
عيد العمال.. بين الواقع والظلال
أبناؤنا بين براءة الطفولة وسندان الترند
الشاهدُ العظيم.. في براءةِ أمِّ المؤمنين
كيف نربي أبناءنا على عقيدة التوحيد؟