كاتب في الفكر وقضايا الإنسان والتحولات الحضارية
لماذا شبّه القرآن الغافلين بالأنعام؟ تأملات في معنى الإنسان ووظيفته
من بين المشاهد القرآنية التي تستوقف الفكر وتستدعي التأمل، ذلك التشبيه المثير الذي يربط بين الغفلة والأنعام، ثم يرتقي به إلى دلالة أشد وقعًا حين يقول سبحانه: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: 179). وهي صورة تتجاوز حدود البيان إلى بناء رؤية متكاملة عن الإنسان، وتفتح بابًا واسعًا لفهم المعيار الذي يقيس به القرآن قيمة الحياة واتجاهها.
ويزداد وقع هذا التشبيه حين يستحضر العقل مكانة الإنسان في التصور القرآني؛ فهو المخلوق الذي كرّمه الله بالعقل، وخصّه بالخطاب، وحمّله الأمانة، وجعله خليفة في الأرض. ومن هنا يفرض السؤال نفسه: ما السر الذي جعل القرآن يستدعي صورة الأنعام عند الحديث عن الغافلين؟
تكمن الإجابة في طبيعة النظرة القرآنية إلى الإنسان. فالقرآن ينظر إليه بوصفه صاحب رسالة قبل أن يكون صاحب قدرة، وصاحب غاية قبل أن يكون صاحب رغبة. ولهذا جاء قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، ليضع الغاية التي تنتظم حولها تفاصيل الوجود الإنساني، ثم جاء قوله سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)، ليكشف عن الوظيفة التي تمنح هذه الغاية حضورها في الواقع.
وبين العبودية والاستخلاف تتشكل هوية الإنسان الحقيقية؛ فهو يحمل أمانة الوعي والاختيار، ويتحرك في الأرض ليجسد قيم الحق والعدل والخير والعمران. وعندما يستقر هذا المعنى في القلب، تكتسب الأعمال وزنها الحقيقي، ويتحول العلم إلى نور يهدي، والمال إلى وسيلة عطاء، والقدرة إلى طاقة إصلاح، وتغدو الحياة كلها مشروع رسالة يتجاوز حدود المنفعة العاجلة إلى أفق أرحب وأبقى.
وعند هذا الموضع تتكشف حقيقة الغفلة التي تشير إليها الآيات. فالغفلة تمثل تحولًا في مركز الوعي؛ حيث تتراجع الغاية التي تمنح الحياة معناها، وتتقدم الرغبات التي تستدعي الإشباع السريع. وتتسع دوائر الانشغال بالمكاسب والصور والمظاهر، بينما تتقلص مساحة الاهتمام بالرسالة والأثر والمصير.
وهنا تتجلى دقة التشبيه القرآني؛ فالأنعام تتحرك وفق حاجاتها المباشرة، أما الإنسان فقد مُنح عقلًا يدرك الغاية، ووحيًا يهدي الطريق، وأمانة ترفع وجوده إلى أفق المعنى والمسؤولية. وعندما تستغرقه دوائر الاستهلاك والمنافسة والملاحقة الدائمة للمكاسب، تقترب حركته من دائرة الحاجة المجردة، وتخفت المعاني التي صنعت خصوصيته بين المخلوقات.
وتزداد أهمية هذا التنبيه القرآني في عصر أعادت فيه الثقافة الاستهلاكية تشكيل كثير من الأولويات. فالشاشات تصوغ الأذواق، والمنصات الرقمية توجه الاهتمامات، ومؤشرات الحضور والانتشار أصبحت معيارًا متداولًا للنجاح. وفي خضم هذا التدفق المتسارع تتقدم الصورة إلى الواجهة، ويشتد التنافس على الامتلاك والظهور، بينما يظل المعنى يبحث عن موضعه في زحام التفاصيل.
ومن هنا يجيء التشبيه القرآني أشبه بجرس إنذار حضاري يوقظ الإنسان من أسر اليومي والعابر، ويرده إلى السؤال الذي يحدد قيمة وجوده: لأي غاية يتحرك؟ وأي أثر يترك؟ وأي رسالة يحمل؟
ولهذا تتجلى قيمة الإنسان في ميزان القرآن بما يحمله من معنى، وبما يؤديه من رسالة، وبما يضيفه إلى عالمه من خير وعدل وعمران. وهناك تتضح المسافة بين حياة تقودها الغاية، وحياة تستغرقها الرغبة. وهناك أيضًا يتجلى سر هذا التشبيه القرآني البليغ الذي ما زال يوقظ البصائر، ويستدعي الإنسان إلى مقامه الذي أراده الله له في دائرة العبودية والاستخلاف.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




لماذا شبّه القرآن الغافلين بالأنعام؟ تأملات في معنى الإنسان ووظيفته
الرحمة ركيزة الإصلاح في الإسلام
أثرُ الصَّلاةِ في سعادةِ الدِّينِ والدُّنيا
عاشوراء... حيث تُمتحن المواقف
البنفسج مَعلمُ جمالٍ وتواضع