سرد القوافي المتين، لأصحاب الكهف والرّقيم
القرآن يقول، ونِعْمَ ما يقول، عن فتية أصحاب قصّة ليست عابرةً ولو تخطّتها أزمان غابرة. إنّها وإن كانت عجبًا فهي حقيقة حدثت ومنذ قرون في كهف على جدرانه كُتِبت. هي من إعجاز القرآن في سرد الحدث، حيث لم يكن هناك من تدوين ولا من دخل باطن حديث أصحاب الرّقيم.
هم دخلوا الكهف جماعةً لا فرادى، فرّوا بدينهم ومعهم كلبهم مؤنس وحارس، قالوا ما حكاه القرآن: ﴿ربّنا آتنا من لدنك رحمةً وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا﴾.
وهل وجد أصحاب الكهف الرّحمة والرّشاد وهم في تلك الوهاد حيث لا أنيس ولا جليس؟ وقد ضرب الله عليهم النّوم الطّويل وكلّ واحد منهم في زوايا الكهف حبيس، والكلب على بابه راقد حارس باسط ذراعيه بالوصيد. هم قد فتح الله أعينهم مع نومهم، فمن يراهم يولِّ مدبرًا خائفًا مطلقًا صوته بالصّراخ، وجرت عليهم ثلاثة قرون من النّوم وأكثر بعلم الله وحده.
وقاموا وهم جوعى يريدون الطّعام بعد لبثهم، وأرسلوا أحدهم يأتي بورق ويتلطّف عن أن يراهم أو يشعر بهم أحد من الجنود، فيعيدوهم إلى عبادة الملك دون الخالق المعبود.
وتعجّب النّاس من العملة التي يحملها أحد أصحاب الكهف، وظنّوا به شرًّا أو أنّه قد حصل على كنز من عصر دِقْيَانُوسَ الذي مرّت على هلاكه كرّات من السّنين وصار من الماضي. فوصل الخبر إلى الملك الجديد، الذي علم من شيخ بين القوم رشيد، علم بخير الفتية من تراث ماضي الآباء التّليد.
وخرج أهل البلد كلّهم يريدون أن يعود من سكنوا الكهف هذا الأمد المديد، ولكنّ قدر الله كان غير ذلك يريد؛ فدخل من كان دليلًا لهم على أصحابه، ولكنّه لم يخرج، ليدخلوا ويجدوهم جميعًا قد ماتوا، وقد استقرّ الرّأي على بناء مسجد عليهم، قال تعالى: ﴿قال الذين غلبوا على أمرهم لنتّخذنّ عليهم مسجدًا﴾.
فيا لهذه القصّة كم فيها من تقييم لمن كان له قلب وعقل سليم! لقد جمع الله تعالى فيها الماضي السّحيق من التّقويم، وبيّن أنّهم فتية بقصد الاقتداء بهم والتّعظيم، وبيّن أنّ جنوده سبحانه لا يعلمها إلا هو ومنهم هذا الكلب الحارس الأمين، وبيّن قدرته في أن ضرب على آذانهم دون سائر أعضاء البدن؛ لما في ذلك من علم ما زالت أسراره في علوم النّفس تُختزَن.
ويبقى لنا القول أخيرًا، على سبيل التّعلّم وأخذ الدّروس والحكم، حيث إنّ الله سبحانه يضرب الأمثال لتكون دروسًا للشّعوب والأمم، فسبحانه من حكيم قد حكم، والحمد لله في السرّ والعلن.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




سرد القوافي المتين، لأصحاب الكهف والرّقيم
دور الأسرة في مواجهة الأفكار الإلحادية
الواثقون بأنفسهم
صور من عداوة اليهود.. من الآباء إلى الجدود
الشمسُ لا تخشى الغروب