د. فاطمة الزهراء دوقيه
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السابع عشر
إن جملة القول في المحور السابق المتعلق بالاعتقاد التوحيدي بجميع مسائله كأساس أول ومنطلق في صياغة النفسية المستقيمة لتزكية الإنسان ليكون كما يريده القرآن، هو أن الإيمان بالله هو تحرير للإنسان من جميع العبوديات، ورفعه إلى منزلة المساواة مع أخيه الإنسان أمام الخالق المعبود الواحد الأحد سبحانه، كما أنه إخراجه من الظلمات إلى النور بالتعبير القرآني الجامع، الذي يمكن تفصيله بما عبر به قطب "التحول من الفوضى إلى النظام، ومن التيه إلى القصد، ومن التفكك إلى وحدة الاتجاه. إن البشرية دون إيمان بالله الواحد، لا تعرف لها قصدًا مستقيمًا ولا غايةً مطردةً، ولا تعرف لها نقطة ارتكاز تتجمع حولها في جد وفي مساواة، كما يتجمع الوجود كله، واضح النسب والارتباطات والأهداف والعلاقات" (الظلال، ص١٥٩).
وتعرفنا على ما تنتجه هذه العقيدة الإيمانية التوحيدية في النفس من الآثار الكبرى الجامعة والثمار اليانعة، التي تزكو بها وتسمو، متمثلة في أمنها وقوتها ووحدتها؛ إن توفرت لدى الإنسان، تحقق الإنسان الذي يريده القرآن، بتحقق تلك الهيئة النفسية التي تؤهل صاحبها أن يكون في حالة الفاعلية والإنجاز القويم للمهمة الاستخلافية في الأرض.
وهي المهمة المبنية بالأساس على معنى الخلافة عن الله، التي "تقتضي أن يكون الهم الأكبر للخليفة ترقيه نحو مستخلفه، واقترابه منه ليحقق معنى الاستخلاف على الوجه الأفضل، ولذلك فإن الإنسان الخليفة جوهر خلافته أن يحصر همه وجهده في الاقتراب من الله مستخلفه، وذلك بالعمل الدائب والكدح المستديم لترقية ذاته وتنميتها حتى يبلغ من الاكتمال الدرجة التي ذكرها الله في قوله: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحࣰا فَمُلَـٰقِیهِ﴾ [الانشقاق:٦]، إن تكامل الإنسان وترقيه لاقترابه من الله لا يكون إلا عبر منهاج العبادة"[النجار، خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، ص٤٨]، التي هي في الأصل غاية وجوده: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، التي يتسع مفهومها ويعُم شاملًا كل مناشط الحياة على اختلافها، وذلك انسجامًا مع وظيفة الإنسان في هذا العالم.
وهذا هو المحور الثاني في عملية التزكية النفسية الإنسانية في القرآن لإخراج الإنسان الذي يريده، الإنسان العابد المحسن في عبادته. ويمكن أن نعبر عنه بالعنوان التالي:
2. العبادات طريق الارتقاء:
العبادة مفهوم عام، وهو اسم واسع جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأعمال في مختلف ميادين الحياة ومجالاتها. ولنقل إنها عمارة الحياة بكل خير وصلاح للإنسان في وجوده المادي والمعنوي.
لكننا نقصد هنا العبادة الخاصة المتمثلة في ذلك النظام الشعائري العبادي الدقيق المرسوم ربانيًّا للارتقاء بالإنسان فردًا وجماعةً، المتكون من الصلاة والزكاة والصوم والحج، الذي لو أقامه الإنسان بإحسان وإتقان، فإنه يتأهل لإقامة الخلافة والعمران كما يحب الله تعالى ويرضى.
وهذا يجعلنا ننظر إلى أداء هذه الشعائر باعتباره المدخل الطبيعي لجني ثمارها؛ ولذا لا يُتصور أن تكون هناك ثمرة كالتهذيب، أو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، أو التطهير، أو التقوى دون عبادة، فليس المغزى في شكل العبادة فحسب، بل لا بد من روحها وإقامتها، فمن التوهم الاعتقاد أنه يمكن التهذيب من دون عبادات. من هنا، يأتي الحديث عن العبادات كشعائر دينية حديثًا عن أصول العبادات التي تمد الحياة استقامةً ورشدًا وإحسانًا وجمالًا وصلاحًا؛ أي عن دورها وأثرها في تزكية النفس وارتقائها، وصياغة النفسية المستقيمة تأهيلًا للإنسان ليقوم بالمهمة الاستخلافية والعمرانية على الوجه الأسلم. [يراجع العجمي، العبادة، ص ١٨-٢٠].
لقد جُعلت العبادات وسائل لتزكية النفس الإنسانية -فضلًا عن كونها مقصودة لذاتها- تغذيةً للعقيدة، وتنمية لشجرة الإيمان، لتتمكن أكثر وأكثر من النفس، وتهيمن عليها، فينشأ الإنسان المزكى والمؤهل للأداء الاستخلافي؛ فهي "أشبه بمحطات، يتزود منها الإنسان بالطاقة والعطاء والإيجابية، وتجديد المعاني التي تكاد تغيب من نفسه، في زحمة الممارسات اليومية، والتدافع البشري. وقد تكون مشكلتنا، في عدم الإحساس بأثر العبادة، وحكمتها وعطائها، وروائها، ومعانيها، لأنها تحولت عند الكثير منا، إلى لون من الآلية والتكرار، والإلف، بمعنى أنها تحولت من نطاق العبادة وعطائها إلى رتابة العادة وآليتها… مما جعل الكثير منا، بدأ يشعر بأن بعض العبادات لا معنى لها، لأنها ممارسات حركية عضلية، مقطوعة عن فكرتها وحكمتها".
من هنا، يتوجب علينا الحديث عن العبادات مقرونًا بغاياتها العمرانية، ووظائفها الحضارية، وامتداداتها في الحياة الإنسانية على جميع المستويات.
وفي المقال الآتي -بإذن الله تعالى- سنتناول بتركيز وتكثيف دور العبادات في التزكية النفسية، بوصف ذلك أصل الخير كله والمدخل إلى صلاح واستقامة الحياة والواقع، بل وبناء العمران والحضارة.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السابع عشر
تشريح العالمانية - الجزء الثالث
من غار ثور إلى أسوار القسطنطينية
ربيعٌ في ربيعٍ في ربيع...
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.. مَوْلِدُ النُّورِ وَسِرَاجُ الرَّسَالَةِ