في ذكرى سيد الخلق

سيدي يا رسول الله، ها قد أطلَّت علينا ذكرى مولدك الشريف، ونحن في أمسِّ الحاجة إلى هديك الرباني وسُنَّتك المطهَّرة و أخلاقك العظمى، لقد زكَّى الله عقلك فقال: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)، وزكَّى لسانك فقال:(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى)، وزكَّى شرعك فقال: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)،وزكَّى فؤادك فقال: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)،وزكَّى بصرك فقال: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى)،وزكَّاك كلَّك فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
يوم فتحتَ مكة التي آذتك وأخرجتك وكادت لك وائتمرت على قتلك، وقد ملأتْ راياتك الأفق ظافرةً عزيزة، قلتَ لخصومك الذين أصبحت حياتهم معلقةً بكلمة تخرج من فمك: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
ويوم دانت لك الجزيرة العربية، وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، صعدتَ المنبر، واستقبلت الناس باكياً وقلتَ لهم: "من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتَد منه، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه".
أنهيتَ صلاتك على عجل، وأنت في قمة الغبطة والنشوة مع ربك، لا لشيء ذي بال، بل لأنك سمعت بكاء طفل رضيع، كانت أمُّه تصلي خلفك في المسجد.
كـــــنــــتَ تـــجــــمــع لأصحابك الحطب في بعض أسفارهم، ليستوقدوه ناراً تنضج لهم الطعام.
وهذه مقتطفات من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم:
• فمِن عنايته بأصحابه، وتواضعه لهم ما رواه الحاكم بإسناد أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بعض بيوته، فدخل عليه أصحابه حتى غصَّ المجلس بأهله، وامتلأ، فجاء جرير البجلي فلم يجد مكاناً فقعد على الباب فنزع رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه فألقاه إليه، فأخذه جرير ووضعه على وجهه وجعل يقبله ويبكي، وأعاده إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله: ما كنت لأجلس على ثوبك أكرمك الله كما أكرمتني فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يميناً وشمالاً فقال: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه».
• ومِن رحمته بالخلق ما روى الإمام أحمد عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: " أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه ذات يوم فدخل حائطاً _ أي بستاناً _ لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنََّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ذفريه فسكن الجمل.. فقال صلى الله عليه وسلم: من صاحب الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال له صلى الله عليه وسلم: «ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها، فإنه شكا إليَّ أنك تجيعه وتُدئبه» أي تُتعبه.
• ومِن عدله ما رواه الشيخان واللفظ للبخاري عن عروة أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففزع قومها إلى أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وكان حِبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يستشفعونه، قال عروة: فلما كلَّمه أسامة فيها تلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال لأسامة: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله تعالى؟.. فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله.. فلما كان العشي، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد؛ فإنما أهلك الناس من قبلكم، أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
• ومِن صبره ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أُخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ولقد أتت عليََّ ثلاثون من بين يوم وليلة، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبدٍ إلا شيء يواريه إبط بلال».
• ومِن شجاعته ما قال سيدنا علي كرم الله وجهه: كنا أي معشر الصحابة، إذا حمي البأس، واحمرت الحِدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقربَ إلى العدو منه.
• ومِن خشيته لله أنه غضب صلى الله عليه وسلم ذات مرة من غلام، وكان بيده سواك فقال له: «والله لولا خشية القصاص، لأوجعتك بهذا السواك».
• ومِن هيبته أنه كان فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه، دخل مرة عليه رجل فأصابته رعدة شديدة، فقال له النبي عليه صلوات الله وسلامه: «هوِّن عليك، فأنا لست بملِك ولا جبار، وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة».
• ومِن حيائه أنه كان أعظم الناس حياءً، لأنه أعظمهم إيماناً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الحيـــاء من الإيمان»، فكان أشد حياءً من العذراء في خدرها، وقد بلغ من حيائه أنه لا يواجه أحداً بما يكره.
ورحم الله من قال في مدح خير الأنام:
يا من له الأخلاق ما تهوى العُلا
منها وما يتعشق الكبـــــــــراءُ
فإذا سخوتَ بلغتَ بالجود المـدى
وفعلت ما لا تفعل الأنـــــــــــــواءُ
وإذا عفوتَ فقــــادراً ومقـــــــــدراً
لا يستهين بعفوك الجُهــــــــلاءُ
وإذا رَحِمتَ فأنــت أمٌّ أو أبُ
هذان في الدنيا هما الرحماءُ
وإذا غضبتَ فإنما هي غضبــة
في الحـــــق لا ضغنٌ ولا بغضاءُ
وإذا خطبتَ فللمنابر هـــــــــــزةٌ
تعرو الندى و للقلوب بكــــــاءُ
يا أيها الأمّيُّ حسبك رتبــــةً
في العلم أَنْ دانت لـــــك العلمـاءُ
هذه هي أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم وشمائله، وإنَّ حقيقة الاحتفال بمولده هي في اتباع سُنّته واقتفاء أثره.
المصدر : مجلّة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث
رمضان والاغتنام الحقيقيّ لمَواسم الخير