د. فاطمة الزهراء دوقيه
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الرابع عشر
شرع الله تعالى الإيمانَ طريقًا تربويًا وسبلًا ووسائل لتزكية الإنسان واستقامة نفسه، وتوجيه صفاتها وملكاتها لتعينه في وظيفته الاستخلافية في الأرض وتحقيق العبودية لله تعالى. ويتمثل هذا الطريق وتلك السبل فيما وضعه تعالى من تلك العقائد والعبادات والأخلاق والقيم، التي تشكل بمجملها منظومة الإيمان الكاملة والمتكاملة، بما هو جملة من التكليفات الربانية المبثوثة في الوحي الإلهي، الذي هو في حقيقته "مفهوم متميز ومركب، يشمل المعرفة والتصديق القلبي والإقرار اللساني والعمل بأنواعه" [العلواني، التوحيد التزكية العمران، ص64]، غايته إخراج النفسية الإنسانية المستقيمة. ونتناول ذلك الطريق وتلك السبل في العناوين التالية:
1- الأساس والمنطلق: عقيدة التوحيد
أول التكليفات الربانية للإنسان، وأول وسيلة لتزكية نفسه، توحيد الله تعالى، "الذي يطهر النفس من أدران الشرك، وما يستتبعه من عجب وغرور وكبر وحسد وغير ذلك، وبقدر ما يتعمق التوحيد في النفس تزكو وتتحقق بثمرات التوحيد من صبر وشكر وعبودية وتوكل ورضا وخوف ورجاء وصدق" (حوى، المستخلص في تزكية الأنفس، ص28-29).
هو الركن الأول وأساس الدين كله؛ الذي بموجبه ومقتضاه يتوجه الإنسان إلى خالقه، فيعبده ويطيعه، قال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِیۤ إِلَیۡهِ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وهو نقطة البداية في توجيه سلوك الإنسان؛ إذ تملي عليه السلوك اللائق واللازم مع الخالق، وبتحقيقه يكون الخير والصلاح، لقوله تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَاۤءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُوا۟ خَیۡرࣰا لَّكُمۡ﴾ [النساء: 170].
وتزكية التوحيد لنفس الإنسان نعرفها من خلال معرفة معانيه، التي حين تُبثُّ فيها تتزكى وتترقى. إن التوحيد أن يُفرد الإنسان وينفي التعدد والكفء عن ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، وينفي الشريك في ربوبيته: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمۡ یَلِدۡ وَلَمۡ یُولَدۡ * وَلَمۡ یَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُ﴾ [الإخلاص: 1-4]، ﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُ﴾ [الرعد: 16]. وقال: ﴿قُلۡ مَن یَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن یَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَـٰرَ وَمَن یُخۡرِجُ ٱلۡحَیَّ مِنَ ٱلۡمَیِّتِ وَیُخۡرِجُ ٱلۡمَیِّتَ مِنَ ٱلۡحَیِّ وَمَن یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَیَقُولُونَ ٱللَّهُ﴾ [يونس: 31].
ثم ينفي الشريك في عبادة الله بعبادته وحده: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [محمد: 19]، وقال: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِی وَنُسُكِی وَمَحۡیَایَ وَمَمَاتِی لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ * لَا شَرِیكَ لَهُۥۖ وَبِذَ ٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ﴾ [الأنعام: 162-163]. إنه الإقرار بيقين وجزم بأحدية الله تعالى ووحدانيته وتفرده:
في سائر أسمائه وصفاته: بنفي كل ما نفاه تعالى عن ذاته العلية، وإثبات كل ما أثبته لنفسه؛ فعلى المؤمن -كما قال الشعراوي- أن يتنبه إلى أن الله واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله، لا ند له ولا شريك معه؛ فإن وجد صفة في الله ووجد صفة مثلها في نفسه، فليعلم أن الصفة في الله في دائرة ﴿لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱ﴾ [الشورى: 11]، فلا قدرة كقدرته، ولا ذات كذاته، ولا فعل كفعله، فإن اختل شيء من ذلك في اليقين فهذا ظلم واقع في الإيمان. (تفسير الشعراوي: 6/3759).
في ربوبيته: وهي الإيمان بالله أنه وحده عز وجل الخالق المالك الرازق المدبر المربي المصلح لسائر شؤون خلقه وملكوته دون شريك. إنها نفي الشريك عنه تعالى في صفات الربوبية الحقة؛ من الخلق، والرزق، والملك، والتدبير الذي من لوازمه الإماتة والإحياء، والعطاء والمنع، والضر والنفع، والإعزاز والإذلال (يراجع عقيدة المؤمن، سيد سابق، ص54).
وهذه الربوبية هي حقيقة فطرية مغروسة راسخة في فطرة الإنسان: ﴿قُلۡ مَن یَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن یَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَـٰرَ وَمَن یُخۡرِجُ ٱلۡحَیَّ مِنَ ٱلۡمَیِّتِ وَیُخۡرِجُ ٱلۡمَیِّتَ مِنَ ٱلۡحَیِّ وَمَن یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَیَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31]، وأقرها سبحانه بقوله المطلق الجامع: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الفاتحة: 2]. و"شمول هذه الربوبية للعالمين جميعًا، هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة؛ لتتجه العوالم كلها إلى رب واحد، تقر له بالسيادة المطلقة، وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة، وعنت الحيرة كذلك بين شتى الأرباب، ثم ليطمئن ضمير هذه العوالم إلى رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة، وإلى أن هذه الرعاية لا تنقطع أبدًا، ولا تفتر، ولا تغيب، لا كما كان أرقى تصور فلسفي لأرسطو مثلًا يقول بأن الله أوجد هذا الكون ثم لم يعد يهتم به" (قطب، الظلال، ص23).
في ألوهيته: التي تأتي كثمرة لمعرفة الله ربوبيةً وأسماءً وصفاتٍ، وهي إفراد الله تعالى وتوحيده بالعبادة؛ فالإنسان إذا أقر بربوبية الله وحده، عرف أنه مفتقر إليه محتاج إليه؛ فيسأله حوائجه، ويتضرع إليه، ويتوكل عليه. إنه توحيده بالتوجه إليه والافتقار والتوسل والتعبد والاستعانة والدعاء والتبتل، لأنه وحده المستحق أن يُعبد ويخاف ويرتجى ويُتوسل إليه بكل أعمال التعبد والتقرب. قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]. وهذا القسم من التوحيد هو مضمون إقرارنا وشهادتنا بـ "أن لا إله إلا الله"، شهادة الإثبات الأساسي للإيمان الإسلامي كما عبر غارودي (وعود الإسلام، ص 217)، وتعني ببساطة الإيمان بألا معبود ولا مستحق للعبادة إلا هو سبحانه. وتحقيقها النفي عن القلب ألوهية ما سوى الحق، وإثبات ألوهية الحق فيه كما قال ابن تيمية (العبودية، ص123). هو المقصود والغاية، لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، ومضمون رسالات جميع الأنبياء والرسل: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِی كُلِّ أُمَّةࣲ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ﴾ [النحل: 36].
هذه بشكل عام معاني التوحيد بتقسيمه الثلاثي، التي حين تخالط بشاشة القلوب، وتستيقنها الضمائر، ويشرق بها الوجدان، وتمتزج بالنفوس، وتنير العقول، وتصيغ المشاعر، لا بد أن تُحدث آثارًا وارتدادات على مختلف مستويات حياة الإنسان الفردية والجماعية والعمرانية.
إن التوحيد هو "منطلق العلاج الشافي لكل أمراض ومشكلات وأزمات الحياة والأحياء، بل والأشياء. إنه آنذاك ينعكس على الفكر فيقيمه، وعلى التصور فينقيه، وعلى الاعتقاد فيصححه ويطهره، وعلى الوجدان فيحرره، وعلى السلوك فيعدله، وعلى الخلق فيحسنه، وعلى الحياة فيجعلها حياة طيبة، وعلى نظم الحياة فيجعلها صالحة قائمة على الهدى والحق والعدل والأمانة، وتساوي الخليقة ووحدتها، ووحدة الحقيقة ومناهجها. أما إذا لم يحقق ذلك كليًا أو جزئيًا، فمعناه وجود خلل في التحقق بحقيقته، أو أن هناك شوائب قد شابته فحالت دون انعكاسه" (العلواني، التوحيد التزكية العمران، ص17).
إنه لا تُتصوَّرُ تزكية نفسية ووجدانية للإنسان من دون التوحيد، كما لا يتصور عمران للحياة بالخير والصلاح من دونه، "لأن البديل عن التوحيد هو الشرك بأن يتخذ البشر شركاء لله منهم في صورة من الصور، ليس بالضرورة أن تكون من بينها الصلاة لهم، وقد يشركون بالله أهواءهم وشهواتهم، وقد يتخذونها آلهة من دون الله" (نفس المرجع، ص18)، وغير ذلك من أشكال الشرك، كعبادة الهوى والمال والسوق وغير ذلك.
والحقيقة الدقيقة التي قد نغفل عنها أن اتخاذ الشرك في الحياة بديلًا عن التوحيد -الذي تنطق به جميع مفاصل الكون وزواياه وكل ذي حياة- إنما هو كما عبر النورسي: "جريمة بشعة تتعدى على جميع كمالات الكائنات وعلى جميع حقوقها الرفيعة وتتعرض لجميع حقائقها السامية، لذا تغضب الكائنات على أهل الشرك والكفر، وتستشيط السماوات والأرض غضبًا عليهم، وتتفق عناصر الكون على إبادتهم، فتغرق قوم نوح (عليه السلام)، وتهلك قوم عاد بالطاغية، وثمود بالعاصفة، وفرعون وأمثالهم بالغرق. بل تغضب جهنم عليهم غضبًا شديدًا حتى: ﴿تَكَادُ تَمَیَّزُ مِنَ ٱلۡغَیۡظِ﴾ [الملك: 8] كما نصت الآية الكريمة. نعم؛ إن الشرك استهانة بشعة بالكون، وتعدٍّ عظيمٌ عليه، وحطٌّ من قيمته، وتهوين من شأنه، لإنكاره حكمة الخلق، ورده وظائف المخلوقات" (الشعاعات، ص14-15).
ويوضح كاتبنا كيف أن الشرك تعدٍّ على الكون، بأنه "يحوله إلى أشتات واهية جامدة، لا روح لها ولا حياة، ولا بقاء لها ولا وظيفة، هالكة لا معنى لها، تتدحرج في خضم ظلمات العدم وأهوال الأحداث التافهة والانقلابات. فالشرك يجعل هذا المصنع العظيم الذي يدر النفع الكثير، شيئًا لا فائدة له، ولا يكسب منه شيء، معطلًا عن كل عمل، مختلطًا ومتشابكًا تلعب به المصادفات العشوائية والطبيعة الصماء والقوى العمياء، ومأتمًا حزينًا لذوي الشعور كافة، ومذبحة ومسلخة أليمة لذوي الحياة كافة" (نفس المرجع، ص15).
فيظهر من هذه الشعاعات ما يترتب عن سيادة الشرك والكفر من أثر مدمر ومفسد في الأرض، مهلك للحرث والنسل، ناشر للظلم والظلمات في الحياة. وصدق الله العظيم حينما قال: ﴿إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِیمࣱ﴾ [لقمان: 13]. أما بالتوحيد الذي ِبسرِّه يكون الكون عبدًا مطيعًا مسبحًا للخالق سبحانه؛ إذ تتحقق مزاياه وكمالاته، "وتدرك الوظائف للموجودات، وتتقرر نتيجة خلق المخلوقات، وتعرف أهمية المصنوعات. وتبرز ما في هذا العالم من مقاصد إلهية، وتظهر حكمة خلق ذوي الحياة" (نفس المرجع، ص15).
وتزكية الإنسان بالتوحيد أن تنعكس عليه معانيه وتظهر في مختلف مجالات حياته، فيصير مستقيمًا كامل الإنسانية، مؤهلًا لمهمته الاستخلافية في الأرض، أي كما يريده الله سبحانه أن يكون، وهو ما سنتناوله بتفصيل في المقال التالي بإذن الله تعالى.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الرابع عشر
إعدام الأسرى من عكا إلى الكنيست.. قانون الموت يتكرر
طفل على قارعة الطريق… حين يدفع الأبناء ثمن خلافات الكبار
لن يهزَّ الحكمُ بالإعدامِ نخلا
المعتقلون ومرارة الخذلان