عيد العمال.. بين الواقع والظلال
لقد تعود الناس ومنذ عقود خلت على إحياء ما يسمى بعيد العمال، الذي أخذ اسمه ومكانته من غير بلاد المسلمين، وإنما من بلاد في الشرق الشيوعي سابقاً والغرب الرأسمالي حاضراً. وكان لهذا اليوم رمزيته من المناداة بشعاراته الكبيرة والكثيرة، والتي كان أكثرها لا يتعدى المتاجرة بحقوق العاملين والتلطي وراءهم لكسب المناصب واعتلاء المراتب على ظهورهم. وذلك وجده العالم بأم الأعين وبلا من ينقل ومن يحدث عن محدث.
وواقع هذا اليوم المسمى باسم العمال، وجد حقيقته أصحابه في بلاد الشرق الشيوعي المندثر منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث هو الصنم الماركسي ذو الخلفية اليهودية المعترف بها في بروتوكولات حكام صهيون، وهم أصحاب أفكار هدامة كثيرة زرعوها في بلاد الشرق والغرب، قصدت بها الوجودية والداروينية، ولم تكن الشيوعية عنها ببعيد. وقد تجلت أبعادها اليهودية في إحياء ما يسمى الصراع الطبقي بين شعوب الأرض على قاعدة الصراع بين الأضداد ليصير المجتمع شيوعياً خالصاً لا حكومة فيه، بل الحكم لمن يسمون بالفقراء والكادحين.
ولكن الواقع كان مختلفاً لما خلفه من الظلال، ونترك الجواب لمن عايش تلك الحقبة الزمنية السوداء، وكان نتاجها قهر وإذلال وحكم بالحديد والنار وطبقة مترفة حاكمة تتاجر بحقوق الفقراء وتعلو على ظهورهم المتعبة من العمل والعناء. وانهار الصرح الماركسي الذي فقد مصداقيته بين من حكمهم وأمسك زمام أمرهم ووعدهم بالمن والسلوى، ولكن عند سقوطه كان ذلك بمثابة عيد للمظلومين المتاجر بقضاياهم وحقوقهم.
وبالمقابل، كان وما زال الصنم الآخر المسمى بالرأسمالية الجشعة التي تقوم على مص دماء الفقراء وجعلهم وسيلة رخيصة لجمع المال وحصره بيد حفنة من الأغنياء أصحاب النفوذ والسطوة من مالكي رؤوس الأموال. وبهذا النفوذ استطاعت أكبر دولة في العالم من حيث القوة المادية والعسكرية أن تملك رقاب أكثر شعوب العالم ودولها، والإذلال لها بالتجويع والحرمان الاقتصادي حيناً، وبالغزو العسكري والاحتلال لأراضيها ونهب ثرواتها حيناً آخر، في ظل نظام ربوي لا يعرف للإنسانية وحقوق العباد مكاناً في قاموسه.
وقد اجتمع المعسكران الشرقي والغربي على التوافق على يوم العمال العالمي، كل حسب ما يراه مناسباً للمتاجرة به واستغلال أصحابه إلى أقصى الحدود. ولكن السؤال هنا: ما دور الإسلام، دين الله الذي أظهره الله تعالى على الدين كله ولو كره الكافرون؟ وماذا قدم للعمال في نظامه الديني والاقتصادي والأخلاقي؟
إن الأمر في بحث ذلك وتفصيله يحتاج إلى موسوعات لا يجف حبر كتاباتها، ولكن يمكن لنا حصرها في واحدة لكل من أمورها الثلاثة:
في الجانب الديني التشريعي: فإن الله سبحانه جعل مكانة الناس عنده لا في أموالهم ولا ما يكنزون، بل في مقدار مكانة التقوى عندهم، وهي محل الفيصل بين الناس. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. ويترتب على هذه المساواة أن يكون الناس سواسية كأسنان المشط، ويقاس معنى الحديث الشريف: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" على مراد حديثنا، وهو أنه لا فضل لغني على فقير إلا بالتقوى كذلك. وأحاديث تقدم الفقراء على الأغنياء في الإيمان بالرسل وفي دخول الجنة زاخرة في ذلك.
في الجانب الاقتصادي: فإن الإسلام وضع نظاماً اقتصادياً فريداً هو من وحي رب السماء، لا مكان فيه لخزن الأموال وكنزها. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. فما وراء ظاهر الآية الكريمة أبعد من الوعيد لكانزي الأموال؛ فإن هناك استدلالاً على قصم ظهر النظام الرأسمالي الجشع الذي يقوم على حصر المال وجمعه بأيدي عصابة من أصحاب النفوذ ومنع حق الفقراء والمساكين فيه، والذي له وجه منع حق الله فيه وهو الزكاة.
وأما نقض الفكر الشيوعي الذي دعا إلى شيوعية المال وإعطاء النصيب الأكبر منه للفقراء الكادحين، فقد سبقهم الإسلام إليه منذ قرون خلت عندما قال سيدنا أبو ذر رضي الله عنه: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار". وليأتِ أساطين الفكر الاقتصادي المعاصر ليقولوا لنا ما هو الذي نفد ذكره من أسس الاقتصاد وأدواته خارج هذه التي جاء ذكرها في حديث أبي ذر، والذي ينبغي تطهير معناه من أي شراكة واشتراكية معاصرة مغمسة بالتزوير والأباطيل.
في الجانب الأخلاقي: فهو يقوم على الوصية التي أوصى بها رسول الأمين عليه الصلاة والسلام، والتي نزع بها فتيل الحقد والكراهية بين العمال وأصحاب العمل، فقال: "أعطِ الأجير أجره قبل أن يجف عرقه". وهل بعد ذلك من حق أو عدل يساوي الوصية النبوية في لفظها ومعناها؟
وشاهد كل ما قلناه وعصارة مغزاه، أن الدين الإسلامي هو الدين الرباني الوحيد الذي أحيا للعمال عيدهم الحقيقي، ووضع أسس البناء الاقتصادي السليم بعيداً عن استغلال رأسمالي يمتص من العاملين دماءهم وأموالهم، وبين نظام شيوعي يجعل العمل والعمال وسيلة للأحقاد بين الناس، ويتاجر بحقوقهم ويبعدهم عن فطرة التفاضل والتفاعل في الإبداع ليكونوا رقماً أو سناً في دولاب ويذوبوا في مجتمعات قاتمة لا روح فيها.
إن عيد العمال الحقيقي تحياه الأمم جميعاً عندما ترد منبع الإسلام وتنهل من معينه، في إثبات حقوق العباد وبلوغ كل صاحب حق حقه بلا مواربة ولا إسفاف. والحمد لله رب العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




عيد العمال.. بين الواقع والظلال
أبناؤنا بين براءة الطفولة وسندان الترند
الشاهدُ العظيم.. في براءةِ أمِّ المؤمنين
كيف نربي أبناءنا على عقيدة التوحيد؟
هِــيَ الــحَــرب