فجر الهجرة وميلاد الأمّة
فوق رمال الصحراء المترامية، أشرقت شمس يومٍ مبارك غيّرت أحداثه مجرى التّاريخ، وبدّدت أنواره ظلمات ليلٍ باردة طال ظلم عصورها وجهل أهلها، وتسلّلت خيوط نورها الذهبيّ إلى بيوت يثرب الوادعة بين لابتين، لينتشر منها إلى أرجاء الكون وهج شعاع الإيمان المحمّديّ الساطع.
ففي ساعات ذاك اليوم المشهود، وطأت أقدام الحبيب البشير (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه ثرى يثرب، فنثر عبير دعوته الزكيّة في أرجائها، ولوّن قلوب أهلها بألوان التوحيد الربانيّ وببهاء الخلق الإسلاميّ.
فأعلنت تلك الساعات بداية أعظم حكاية عرفتها الحضارات؛ حكاية النّبيّ المهاجر، النبّي الأميّ العربيّ الذي أخرج البشريّة من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وتناقل الناس عبر الزّمن أخبار هذا الدخول النبويّ المهيب الذي ترقّبته عيون الأنصار والمهاجرين، متحدثين عن سمت وهدي هذا النبيّ المهاجر بدينه وأهله وصحبه، مستلهمين حسن التخطيط والتوكل على من له ما في السماوات وما في الأرض، من أيّام هجرته المباركة العابقة بأريج الحقّ، الفوّاحة برائحة عطر الحنين والوفاء والمحبة والفداء والعدل الساميّ.
يومٌ أسدل فيه التاريخ ستاره على مكيدة خبيثة، وجريمة منظّمة سبقتها سنوات من الصبر على أذى مشركي مكة، واحتساب التعب عند من لا يضيع عنده مثقال ذرة؛ سنوات كلها تشييدٌ لصرح الإيمان الراسخ في نفوس المؤمنين الأوائل، الذين سطّروا أروع قصص الصمود والتمسك بالتوحيد أمام كفّار لم يرحموا ضعيفًا ولا عبدًا، ولم يراعوا رحمًا ولا قرابة، ولم يرأفوا بشيخ ولا امرأة، ولم يعتبروا بآية ولا موعظة، بل ازدادوا عتوًّا ونفورًا، وعداءً وكرهًا، ومكرًا وتجبّرًا -إلا من رحم ربّي- ورفعوا لواء الباطل في وجه سيف الحقّ الناصع، واجتمعوا على وأده في مهده حتى لا يُسمع له صوت ولا يُرى له أثر، ولا يهدّد عروش طغيانهم، ولا يذمّ عبادة أصنامهم، فيسلم نفوذهم، وتستمر أيديهم وألسنتهم في التعدي على الجيوب وتغييب العقول، وتخريب أعماق النّفوس، ولكنّ الله تعالى أبى إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.
فتحـت عناية الرّحمة الإلهية، وأمام أعين أجبن البريّة، خرج النبيّ الهاشميّ (صلى الله عليه وسلم) من باب بيته مهاجرًا بدينه إلى أرضٍ فتحت له قلوب أهلها قبل دورهم، ومنحه أهلها المنعة والنصرة مما يمنعون منه أزواجهم وذريتهم وأموالهم وأرضهم. خرج الهاشميّ (صلى الله عليه وسلم) تاركًا أرضًا أحبّها قلبه وأنست فيها روحه، مودّعًا لها والدموع في المآقي، مخاطبًا جبالها وأوديتها وبيتها العتيق بكلمات ممزوجة بالحزن: "ما أطيبك من بلد وأحبّك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك"، فيا له من مودِّع ويا لها من مودَّعة، ويا له من وداع ما عرفت البشرية مثل صدق وحنين كلماته!
ومع عظيم هذا الحبّ الكامن في أعماق قلب الحبيب المحبّ (صلى الله عليه وسلّم) لمكة المكرمة، ولكنّ الرسالة غالية تستحق أن يُترك لأجلها كلّ ثمين ونفيس.
وها هو النبيّ المهاجر يخطو مع صاحبه الصّدوق أول خطواته نحو أرض اختارها الله تعالى لتكون أرض هجرته، وقد شاركه تلك الخطوات أبطال الهجرة العظماء: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن أبي بكر، وعامر بن فهيرة، وأسماء بنت أبي بكر (رضي الله عنهم)، ليكونوا نجومًا تلمع في فضاء هذا الحدث التاريخيّ لميلاد الأمّة المحمديّة.
لقد كتب النبيّ المهاجر وأصحابه المهاجرون -الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه- كلمات أول صفحة من كتاب تاريخنا المجيد بأحرف من ذهب، سطّروها ببسالة وعزم وأخوّة لم تعرفها القرون الخوالي، ولم تتفيأ ظلالها أمّة من الأمم.
فقد بنوا أول دولة في الدنيا عمادها التآخي في الله، والزهد في الدنيا، وتحري رضا الله تعالى في كل شؤون الحياة، فكانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم، غايتهم رضا الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، وهدفهم رفع راية دينه، فتراهم رهبان ليلٍ في المحاريب، وفرسان نهار في ساحات الوغى، كلامهم ذكرًا، وصمتهم فكرًا، وسمتهم طهرًا، إذا رُؤوا ذُكر المولى سبحانه، وإذا سعوا رأيت النبوّة تتجسّد في سعيهم وحركاتهم وسكناتهم؛ أنصار ومهاجرون لا فرق بين غنيهم وفقيرهم، إخوان متحابون، وجيران متآلفون، وأصحاب صادقون، تحطّمت تحت أقدامهم هياكل أعتى إمبراطوريات الأرض، وهلك تحت ظلال سيوفهم ظلاّم الروم والفرس، وفُتحت بأخلاقهم وعدلهم مدن وبلاد، ودخل في دين الله بدعوتهم للتوحيد العباد، لا غاية لهم إلا نشر الحقّ وردع الظلم وتحقيق العدل.
كلّ هذا الخير لم يكن لولا بزوغ ضوء يوم الهجرة المجيد الذي أعلنت شمسه ميلاد حياة خير أمّة أخرجت للعالمين؛ أمّة أصبح لها دولة تعيش في أرضها وتحتكم إلى تشريعات وحيها، وتأتمر بأوامر قائدها، وتمارس بحريّة لا نظير لها عبادتها وتعظّم شعائرها في ظلال أمانها.
فكم نشتاق إلى أرض هجرتنا، وإلى قانون دولتنا الذي نسعى منذ عقود إلى استرجاعه، وكم في أمتنا اليوم من المهاجرين الأبطال الذين ضحّوا بالنّفس والمال والولد والسكن في سبيل إعلاء كلمة التوحيد، ورفع راية الحق على امتداد مساحة عالمنا الإسلاميّ المسلوب!
فياربّ لا تحرمنا، وأكرمنا كما أكرمت المهاجرين والأنصار.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




البنفسج مَعلمُ جمالٍ وتواضع
كيفية حماية الأبناء من الشذوذ والانحرافات
فجر الهجرة وميلاد الأمّة
كلمة السرِّ للتغيير ونهضة الأمّة
الإساءة إلى الذات الإلهية وأثرها في المجتمعات