الإنفاقُ على الدَّعوة إلى الله تعالى؛ الوَعيُ والمَفهوم
يقولُ اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} نعم يا ربُّ؟ {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} نعم، دُلَّنا يا ربَّنا، دُلَّنا على الذي يُنجينا مِن يوم عبوسٍ قمطريرٍ! {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف: 10-11].
سَمعًا وطاعةً يا ربُّ، كيف ننجو من ذلك؟ تريدنا أن نُنفقَ في سبيلك بأموالنا وأنفسنا. وكيف نُنفقُ وقد خَلَقَنا اللهُ تعالى وجَبَلَنا على التعلُّقِ بهذا المالِ؟ كيف نُنفِقُه ونحن أحرصُ ما نكون عليه؟
يا أحفادَ الصَّحابة، يا حفيدات خديجةَ وعائشةَ وفاطمةَ وزبيدةَ، يا أحفادَ أبي بكر وعثمانَ وابنِ عوف. يقولُ اللهُ تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} يعني بالرَّغم مِنَ التَّعلُّق به وحُبِّ جَمعِه وصَرفه في المباحِ مِنَ الملذَّاتِ.. هنا أريدُ لفتَ نظركم إلى نقطةٍ غايةٍ في الأهميَّة؛ أين نُنفقُ المالَ؟ إنَّه الوَعيُ في مكان وَضعكم لهذا الإنفاقِ، {يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ: مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}! أيُّها المسلمون يجبُ أن تُنفقوا بوعيٍ وذكاءٍ، هذا هو المطلوب.. تضعون صدقاتكم في المكان الذي يُعينُ الفقيرَ حتَّى لا يعودَ فقيرًا، ويُعينُ المسكينَ فيُصبحَ قادرًا على العيش بدون أن يحتاجَ أحدًا، ويُعينُ على إطلاق الأسير والمسجون ظلمًا وقهرًا.
هذا هو الإنفاقُ في مكانه الصَّحيح حتَّى يقيكم اللهُ تعالى من اليوم العبوس القمطرير ويكون الجزاء: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا} بما صَبَروا على طاعة ربِّهم؛ في إنفاق هذا المحبوب المال رغم تعلُّقهم به {جَنّاتٍ وَحَرِيرًا} اللهمَّ اجعلنا منهم يا ربّ...
المالُ محبوبٌ، نعم، ولكن نحن مُطالبون بإنفاقه وعدم التعلُّق به، واسمعوا هذا الفهمَ العجيب لإنفاقه، عكسَ ما نظنُّ! ذُبِحَت شاةٌ في بيتِ سيِّدنا النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتمَّ توزيعُ أقسامِها على الفقراء، فسأل السَّيدة عائشةَ حين حلَّ المساء: «يا عائشةُ، ما بَقِيَ مِنَ الشَّاةِ؟» قالت: ما بَقِيَ منها إلا كَتِفُها. فقالَ: «بَقِيَت كُلُّها غيرَ كَتِفِها» [حديث صحيح رواه الترمذيّ].
الله أكبر، بَقِيَت كُلُّ الشَّاة التي وزَّعوها على الفقراء وانتفعوا بها وبَقِيَ الكتفُ! بَقِيَتِ الصَّدقاتُ ولم تذهب سُدىً، حسناتُها ذهبت هناك حيث سينعم بخيرِها كُلُّ متصدِّقٍ يوم الحشر الرَّهيب والشَّمسُ الصَّابَّةُ حرَّها على النَّاس ولا ظلَّ هناك، ولا شيءَ يقي حرَّها إلا أنَّ بعضكم سيكونون في ظلٍّ يقيكم.. منهم المتصدِّقون! ستأتي صدقاتهم على شكلِ غيمةٍ تُظلِّلهم.
وما هو المالُ؟ ما قيمتُه؟ «يقولُ ابنُ آدمَ: مالي! مالي! وهل لكَ مِن مالِك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبستَ فأبليتَ أو تصدَّقتَ فأمضيتَ!» [صحيح مسلم].
إخوتي، الدَّعوةُ إلى اللهِ تعالى تقوم على ركيزتينِ اثنتينِ: المالُ والأشخاص. وحين نتأمَّلُ كيف استطاع نبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يصدعَ بالدَّعوة وأن تستمرَّ دعوتُه رغمَ تصدِّي الأعداء لها ومحاربتِها؛ نفهمُ عن ماذا نتكلَّمُ هنا ؛ في بادئِ الأمرِ نبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم احتاجَ كُلَّ المالِ وكُلَّ الأشخاص الدَّاعمين (حضرةُ نبيِّنا لم يكن فقيرًا ولكن يريدُ اللهُ تعالى أن يفهمَ كُلُّ الأمَّة في كُلِّ مراحلها الزَّمنيَّة؛ الآليَّة المُتَّبعة لنهوض المسلمين مِن كبوتهم وكيف يتعاونون وأين يُنفقون أموالهم وكيف يدعمون مجتمعهم ويُقوُّنه ليصمدَ إزاءَ محاربةِ كُلِّ أعداء الكوكب للإسلام وتوحيدهم على الثُّلة المسلمة أينما كانت ومتى ما كانت، وحرصهم على اجتثاث كُلِّ مَن يدعو إلى الله تعالى وعلى القضاءِ علينا)، فلنتأمَّل حاضنةَ النُّبوَّة السَّيدةَ خديجةَ التي أنفقت كُلَّ مالِها وهي الثَّريَّةُ الموسرةُ سيِّدةُ الأعمال النَّاجحة في تجارتها! فدعمت سيِّدَنا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالمال والنُّفوذ وآزرتْه حتَّى استُشهِدَت بعد فترةٍ مِنَ التَّجويع والحصار والاضطهاد لهم.
أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنه الذي أنفقَ كُلَّ مالٍ له على الدَّعوةِ إلى الله تعالى «قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما نفعني مالٌ قطُّ ما نفعني مالُ أبي بكرٍ، فبكى أبو بكرٍ وقالَ: هل أنا ومالي إلا لكَ يا رسولَ اللهِ؟» [رواه أحمد]. بل تأمَّلوا كم أنفقَ بسخاءٍ [أسلمَ أبو بكرٍ يوم أسلمَ وفي منزله أربعون ألفَ درهمٍ - وفي روايةٍ دينارٍ-، فخرجَ إلى المدينة في الهجرة وما له غيرُ خمسةِ آلافٍ! كُلُّ ذلك يُنفقُ في الرِّقاب (يعني في عتق العبيد المسلمين) والعون على الإسلام!» يعني الدِّينار وقتهم كان ذهبًا ووزنُه 5 غراماتٍ، فلنضربْه بأربعينَ ألفًا! ثروته ضخمة وكلُّها للعون على الإسلام وتقوية الدَّعوة..
الدَّعوةُ إلى اللهِ تعالى الآن يحاربُها الأعداءُ خاصَّة في بلدنا لبنان، يمنعون عنها الأموالَ ويُضيِّقون على العاملينَ للهِ، فمَن لهم يا أحفادَ الصَّحابة؟ مَن يدعمُ المتطوِّعين والمتطوِّعات للهِ وفي سبيلِ اللهِ؟ هناك موظَّفون وهناك متطوِّعون، لا يريدون منكم جزاءً ولا شكورًا.. للهِ يعملون، فالوَعي الوَعي أين تُنفقون أموالكم.
مُحسنٌ كويتي موَّلَ 27 مبرَّةً في بلدنا... وهناك كويتيٌّ آخر اسمه د. عبد الرحمن السّميط رحمه الله تعالى، كان ثريًّا وراح يُنفقُ ويدعم المسلمين ويُقوِّي مجتمعهم في أفريقيا؟ نعم..
أتدرون كم ثروة الطَّبيب الدَّاعية السّميط؟ ثروته الحقيقيَّة لا الفانية أقصد؟
حين انتبهَ إلى أنَّ الأعداءَ يدعمون ماليًّا 51 مليونَ مُنصِّرٍ عالميٍّ دعمًا كاملًا؟
يا الله، فشمَّرَ عن ساعديه وحشد ودعمَ الدَّعوةَ إلى الله تعالى في أفريقيا، فأسلمَ على يديه: أكثر مِن عَشرِ ملايينَ! كَفَلَ 50 ألفَ يتيمٍ! حَفَرَ 12 ألفَ بئرٍ! موَّلَ عَشرَ إذاعاتٍ تدعو إلى الله تعالى.
بالله عليكم، كيف وأين تضعون أموالكم؟ فلنتأمَّلْ...
في لبنان، حينَ تُنفقون للدَّعوة إلى الله تعالى فأنتم تُعلِّمون أحدًا القرآن.. كُلُّ دُورِ تحفيظِ القرآن وتدبُّرِه في جمعيَّتنا مثلًا مجانيَّةٌ.
عندنا أيتامٌ، عندنا دعاةٌ، عندنا مدرسةٌ، عندنا منتدىً لنشرِ الإسلامِ وهدايةِ غير المسلمين.. هذا إنفاقٌ في مكانه، يَهدي النَّاسَ ويُعرِّفهم باللهِ تعالى وكفالةِ يتيمهم وإعانةِ فقيرهم ودعمِ الموهوب فيهم.
كُلُّ هذا يدعمُ المسلمين ويُقوِّي مجتمعهم ويُعينهم على الدِّين حتى يدخلَ النَّاسُ الجنَّةَ زُمرًا...
هل تعرفون السَّيدة زبيدةَ وما فعلتْه للمسلمين؟ زبيدةُ ابنة السُّلطان أبي جعفرٍ العباسيِّ وزوجة السُّلطان هارون الرَّشيد رحمَهُما الله تعالى، عرفت زبيدةُ أنَّ الحُجَّاجَ في البيت الحرام والمناسك يعطشون ولا يستطيعون الحصولَ على الماء هناك ، فباعت كُلَّ ما تملكُ، وموَّلت مشروعًا هندسيًّا عظيمًا، قامَ بعمل سِكك ومواسيرَ أوصلت ماءَ زمزمَ مِن عُمق البئر إلى سطح الأرض، ليشربَ منه المسلمون إلى يوم القيامة!
حين جاء المهندسون والعمَّال بالسِّجِلات والدَّفاتر للمحاسبة وقبضِ المال، قامت السَّيدة الكريمة برميِ الدَّفاتر كُلِّها في النَّهر وقالت: مَن له عندنا مالٌ فليتفضَّل ليأخذَ ما يستحقُّ مِنَ المال، ومَن بَقِيَ لنا عنده مالٌ فسامحناه، واتركوا الحسابَ لهذا المشروعِ ليوم الحسابِ.
الله أكبر كبيرًا...
تسمعون ببئرِ عثمانَ؟ للهِ درُّه، يشرب منه المسلمون ليوم القيامة والحساب يوم الحسابِ، يا عثمانَ الخير.
اللهم اجعلنا من الأبرار وارزقنا مقامَ الأبرار. واجعلِ المال في أيدينا مَطيَّة لدخولنا الجنان، اللهم آمين. وآخر دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الإنفاقُ على الدَّعوة إلى الله تعالى؛ الوَعيُ والمَفهوم
بالإرادة تُصاغ الشخصيّة من جديد
دروس إيمانية من شهر رمضان المبارك
الإنسان كما يريده القرآن - الجزء الثالث عشر
من مزايا الصيام.. أضواء وبيان