صور من عداوة اليهود.. من الآباء إلى الجدود
لعل أصدق ما قيل في حقيقة عداوة اليهود للذين آمنوا بالدرجة الأولى، ولسائر أبناء الإنسانية ثانيًا، هو قول الله تعالى بحقهم:} لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}.
وانظروا معي إلى دقة الكلمات في الآية؛ فلم يقل ربنا (لتجدن أشد الناس عداوة اليهود) متجاوزًا الذين آمنوا، وهو ما يعني أنه حتى لو كانت لليهود عداوة مع غير المؤمنين من أهل التوحيد من أمم الأرض مختلفة الديانات، فهي نصف كفة مقابل النصف الثاني المقتصر على المؤمنين.
وعندما نريد أن نجمع بعض صور عداوة القوم، فيمكن لنا أن نحصرها في أربعة أنواع:
أولًا: عداوة اليهود لرسول الله ﷺ
حيث إن اليهود –وبشهادة القرآن عنهم– كانوا هم يستفتحون على الذين آمنوا، أي أنهم كانوا يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، ويقولون: "إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم". لكن الذي حدث قلب موازين خططهم لقوله تعالى:} فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}. فكان كفرهم ببعثة النبي العربي مبعثه الحقد والحسد، لتتحول إلى عداوة مستحكمة رغم علمهم أن هذا النبي لا غبار على صدق رسالته. وما فعلوه بألسنتهم وأيديهم نحوه، ونجاة الله له من مكرهم، يؤكد هذه العقيدة العدائية.
وقد كان أول من حذر عم رسول الله ﷺ (أبا طالب) -عندما خرج به في رحلة تجارية إلى بلدة بصرى جنوبي بلاد الشام وتعرف عليه الراهب بحيرا من خلال علامات النبوة- هو ذلك الراهب الذي حذر عمه قائلًا له: (ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فوالله إن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغُنّه شرًا).
ثانيًا: عداوة اليهود في أيام الخلفاء الراشدين
وأما عداوة اليهود فكانت أيام الخلفاء الراشدين بصور مختلفة؛ فقد جمعت الشكل السياسي والاستخباراتي العميق بهدف تقويض الدولة الإسلامية من داخلها:
في خلافة الصديق أبي بكر رضي الله عنه: واجهت الدولة حروب الردّة، وقد استغل المنافقون ومعهم اليهود هذه الفتنة بهدف تقويض استقرار المدينة، وهو ما دفع الخليفة لردعهم جميعًا، وما يذكره التاريخ عن موقف أبي بكر رضي الله عنه في حروب الردة يكتب بماء الذهب.
في عهد الخليفة الفاروق عمر رضي الله عنه: استمرت المؤامرات لتصل إلى التخطيط لقتل الخليفة الذي حكم بعدله وقاد الفتوحات الكبرى ضدهم في الشام، وما فعله أبو لؤلؤة المجوسي لا يخرج عن دائرة مكر اليهود وتخطيطهم.
في عصر الخليفة ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه: تسلل بعض اليهود متظاهرين برداء الإسلام، وكان في مقدمتهم "عبد الله بن سبأ"، أحد أعمدة الفكر اليهودي الهدام في العقيدة الإسلامية، وبث بذور الشقاق بين أبناء الدين الواحد.
ثالثًا: دور اليهود في إسقاط الخلافة العثمانية
وفي مرحلة ما كان يُسمى "رجل أوروبا المريض" (وهو الاسم الذي كان يُطلق على الدولة العثمانية في أواخر عصرها)، كان لليهود دور أسود في المقايضة والمساومة؛ حيث كان السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله في ضيق مادي ويحتاج المال لإنقاذ البلاد، فوجد اليهود ضالتهم في قصده، وعرضوا عليه ما تحتاجه خزينته من مال وذهب، لقاء أن يعطيهم رخصة لبناء "أرض الميعاد" لهم في قطعة من أرض فلسطين.
وكان عراب التفاوض من اليهود هو "تيودور هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية، وكان جواب السلطان عبد الحميد رحمه الله: (إن أرض فلسطين ليست ملكًا لي، وإنما هي ملك الأمة الإسلامية)، ورفض أن يعطي اليهود شبرًا واحدًا من الأرض؛ ذلك أن العبرة لا تكون بالتنازل عن كومة أحجار، فمن تنازل عن بضعة أمتار يمكن أن يتنازل عن أمصار.
وهكذا رد سلطان المسلمين اليهود خائبين، فسعوا بكل ما استطاعوا للعمل على إسقاط دولة الخلافة، وأنشبوا أظفارهم المسمومة في جسدها النحيل آنسَاك، وهو ما فتح لهم الطريق للحصول على "وعد بلفور" المشؤوم، الذي شرع لهم أن يأتوا من كل أشتات الأرض تحت ستار أرض الميعاد، ويبنوا دولتهم المسخ على أنقاض بيوت وأهل الأرض الأصليين، ويمعنوا في الذبح والقتل والتهجير.
وقد تحقق أكثر ذلك ليس بأيديهم القذرة فحسب، وإنما بأيدٍ مستعارة من الخونة والعملاء من حكام مأجورين، كان همهم وقصدهم السلطة والمال والجاه والتمكين، فوُعدوا بذلك على أن يكونوا حرس حدود لليهود الغاصبين، الذين امتد عدوانهم وظلمهم -الذي يندى له الجبين- طوال عقود في فلسطين وبلاد الشام في سوريا ولبنان والأردن، حتى وصل بهم المطاف إلى العدوان الأخير في غزة، لتتجسد عداوة اليهود بأبشع صورها القاتمة الحلكة، ويتجسد معها ظلم ذوي القربى من بلاد العرب والمسلمين. وإن كانت الشعوب مغلوبة على أمرها ومحكومة بالحديد والنار، فإن الحكام أظهروا في سوادهم الأعظم أنهم على درجة متقاربة -إن لم تكن متساوية، بل ومتقدمة- مع ما فعله اليهود أعداء الله والدين.
رابعًا: عداوة شاملة لكل شعوب الأرض وروابط الأمة
إن اليهود لم يكونوا أعداء المسلمين فقط في تاريخهم الأسود، فعداوتهم لشعوب الأرض تمتد من أقصى الأرض إلى أقصاها، وذلك مرده إلى العقيدة اليهودية (المحرّفة) التي تقوم على الاستعلاء تحت نظرية "شعب الله المختار". وقد استغنى اليهود عن التوراة التي حرفوها أصلًا ليكتبوا البديل وهو "التلمود"، الذي جعل مسافة شاسعة في المقارنة بين اليهود وغيرهم من جنس البشر، معتبرين إياهم خدمًا لهم، بل ويصل بهم الأمر في "التلمود" الشاذ إلى اعتبار غيرهم بمثابة بهائم خُلقت بصورة آدمية فقط لخدمة اليهود.
وقد ساهمت هذه العقلية في تفكيك روابط الأمة الإسلامية والعربية، وإقامة دول على رأسها حكام يجمعون من صور العداوة لدينهم وشعوبهم وتراث أمتهم ما لم يجمعه اليهود أنفسهم؛ حيث وجد فيهم اليهود ضالتهم ليحققوا بهم ما لم يحققوه بأنفسهم.
ووفقًا لهذا الاعتقاد، يفرض اليهود قيودًا صارمة تمنع الاندماج الكامل مع الشعوب الأخرى، وهو ما أدى إلى موجات عداء مع كثير من الشعوب في بلدان استوطن فيها اليهود، وكان فسادهم الديني والمالي والأخلاقي سببًا لتأليب دول كثيرة من أوروبا المحافظة قديمًا عليهم. وما حدث لهم في ألمانيا من محارق كان نتيجة لما ساهموا فيه من إيقاد نيران الحروب؛ والتي لم تكن الحربان العالميتان الأولى والثانية تخلوان من أصابع اليهود والمساهمة فيهما. وصدق الله فيهم إذ يقول:} وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}.
وسبب ذلك مبين في آية ثانية:} كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.
نسأل الله أن يعلي كلمة الحق والدين، وأن يهلك أعداء دينه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




صور من عداوة اليهود.. من الآباء إلى الجدود
الشمسُ لا تخشى الغروب
لماذا شبّه القرآن الغافلين بالأنعام؟ تأملات في معنى الإنسان ووظيفته
الرحمة ركيزة الإصلاح في الإسلام
أثرُ الصَّلاةِ في سعادةِ الدِّينِ والدُّنيا