نظرات وتأملات: بين الفانيات والباقيات
لقد وصف الله -عز وجل- في آية واحدة كل زينة الحياة الدنيا وما يقابلها مما هو باقٍ ولا يزول، وذلك في قوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46]. وردت هذه الآية الكريمة في سورة الكهف، فجمعت بين زينة الحياة الدنيا وبين الباقيات الصالحات، ولنا أن نقف على ما يبقى منهما وما يفنى.
فأما الزينة، فهي في صنفين من المتاع الظاهر جمالُه، السريعِ بَوارُه:
الأول هو المال: الذي له بريقه ولمعانه ووقع أثره في النفوس، ولولاه لما أمكن افتتاح بيت ولا جلب عروس، وهو يترك مفعوله في كثير مما في الواقع ومما في النصوص.
والثاني هم البنون: فهم ثمرة زواج ميمون، تقرّ لرؤيتهم العيون، وهم بهجة القلب ولا تنغلق عن متعة رؤيتهم الجفون.
ومع هذا كله، فإنه متاع زائل لا يبقى ولا يدوم، ومصيره مع موت صاحبه الوراثةُ للمال والتفرّقُ للبنِينَ. وأما ما يقابله، فهو الباقيات الصالحات من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وهو خير عند ربك في ثوابه وخير في أمله المكنون، والحمد لله فيما كان وفيما يكون.
ونعود إلى ما تقدّم من الكلام في أوله؛ لما قلنا عن الباقيات الصالحات إنها باقية وما سبقها من زينتي المال والبنون أنهما إلى زوال، فنقول هنا إن الله سبحانه هو من قال ذلك عندما سماهما باقيات وسمّى ما قبلهما بالزينة. وكلمة "زينة" وربطها بالحياة الدنيا يمكن الاستدلال به على بقاء الفرع إذا ما بقي الأصل؛ وطالما أن الأصل هنا هو الحياة الدنيا والمال والبنون فرع لها، وطالما أن الأصل لن يبقى ولن يدوم وهو وأهله إلى فناء محتوم، فلا بد لفرعه أن يتبعه ويشرب معه من كأسه المُرّ.
وليس يعني هذا أبدًا أن تكون تلك الزينة أمرًا مذمومًا ومتبوذًا في حياة كل عبد أخلص دينه لله الحق؛ ولقد حفل القرآن الكريم -كلام رب العالمين- بعشرات الآيات عن المال والبنين مجتمعة ومتفرقة، ولكن في جانبيها: الصالحِ والمذموم، ومنها قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [الليل: 17-18]؛ فقد ربطت الآية بين ما هو سبب لتجنب النار لصاحبها ورهنت ذلك بتزكية هذا المال الذي بين يديه. وفي آية ثانية يقول تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15]، ومن ذا الذي يحتمل أن تكون زينته التي بين يديه فتنة وابتلاء؟
ولا يعني هذا أبدًا أنه لا يمكن الانتفاع بالمال الصالح للعبد الصالح، والرسول الكريم يقول: «نِعْمَ المَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ»، ولا يمكن تجاهل نعمة البنين والذرية الصالحة أيضًا؛ فقد كانت تلك دعوة الأنبياء، ومنهم سيدنا إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100]، وسيدنا زكريا عليه السلام: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38].
ومع هذا الفضل كله للمال الصالح والبنين الطيب ذكرهم، فهناك ما هو متقدم عليهم وله البقاء والذكر في الدنيا والآخرة، وهي الباقيات الصالحات. وقد قال أهل العلم إن المراد بها التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وهي غراس الجنة؛ فلا بد إذن من تقديم ما يبقى على ما يفنى. وإذا كان مقابل كل تسبيحة أو ما ماثلها من أخواتها شجرة في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، فلا بد للعقلاء أن يميزوا بين فضل الأرض وفضل السماء، وألا يفوتهم ما سماه الله باقياتٍ على ما هو متيقَّنُ الزوال في الأرض والفناء.
والحمد لله رب العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




نظرات وتأملات: بين الفانيات والباقيات
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السابع عشر
تشريح العالمانية - الجزء الثالث
من غار ثور إلى أسوار القسطنطينية
ربيعٌ في ربيعٍ في ربيع...