د. فاطمة الزهراء دوقيه
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السادس عشر
فيما سبق تحدثنا عن التحرر والحرية باعتباره المعنى الكبير والجامع الذي تنطوي عليه عقيدة التوحيد، وهو الذي تتفرع عنه كل المعاني والآثار التي يحدثها فيها؛ فتُظهر تزكية الإنسان وتساميه وتأهله للقيام بدوره في عمارة الأرض، والوفاء بعهد الاستخلاف الذي بينه وبين ربه.
وقد أجملها د. النجار في ثلاثة آثار عامة، تدخل فيها كل الآثار التفصيلية التي تمثل مظاهر تزكية التوحيد للنفس:
أولًا: الطمأنينة والأمن
يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].
في هذه الآية يضع الله تعالى قاعدة، بل سنة، تربط بين الإيمان والأمن؛ فالمؤمن الذي آمن بالله ولم يشرك به، موعود منه بالأمن والطمأنينة والسكينة، إذ لا سعادة بدون هذا الأمن النفسي. ويعد وجود هذا الشعور لدى الإنسان:
" الشرط الضروري لكي يُقدم على العمل والإنتاج والتعمير في الأرض، ففي مناخ الأمن النفسي تنمو القدرات الذهنية وتتجه نحو الإبداع، وتنشط القدرات الإنجازية وتتضاعف فعاليتها ويزكو إنتاجها. وأما إذا سكنت النفس بالحزن والفزع فإن كل طاقاتها وقدراتها تنكمش عن النمو، وتضعف في الأداء، وتنكفئ النفس على ذاتها منشغلة بما أصابها مقتصرة عليه فلا يبقى لها مجال لأن تمتد بآمالها إلى التعمير؛ ولهذا المعنى تحرص الأمم أول ما تحرص على توفير الأمن للناس إذ هو أول شرط لازم من شروط النهوض العمراني."
فكم نحن بحاجة إلى التأمل في حقيقة الإيمان بالله وتوحيده؛ لأنه ما إن يتدبر الإنسان نعمة الإيمان، وما تمنحه للإدراك البشري من تصور ناصع واضح، وللقلب البشري من طمأنينة وسلام، وما تثيره في النفس البشرية من اهتمامات رفيعة ومشاعر نظيفة، وما تحققه في المجتمع الإنساني من نظام سليم قويم دافع إلى تنمية الحياة وترقيتها.. ما يتدبر الإنسان نعمة الإيمان على هذا النحو حتى يجد فيها الرشد الذي لا يرفضه إلا سفيه، يترك الرشد إلى الغي، ويدع الهدى إلى الضلال، ويؤثر التخبط والقلق والهبوط والضآلة على الطمأنينة والسلام والرفعة والاستعلاء!
ثانيًا: العزة والقوة
يقول الله تبارك وتعالى موجهًا عباده المؤمنين: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139[
فما أحوج المسلمين اليوم إلى الشعور بالقوة والعزة والاستعلاء، في ظل تكالب الأمم، وتسلط سيوف الظلم والاستبداد المستحوذة على رقاب العباد وخيرات البلاد. فها هو التوجيه الرباني يوجه إلى الشعور بالقوة والعزة النفسيتين، كأثر من آثار التحرر النفسي بتوحيد الله تعالى، لا الوهن ولا المذلة التي تصيب الناس بما قد يتسلط عليهم من أسباب القهر والظلم والاستبداد، سواء كانت ذاتية كالهوى والشهوات التي تُخضع الإرادة وتذلها فإذا هي مستعبدة لها، توردها موارد الصغار والريبة: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]، أو موضوعية كطغيان الحكام والمستبدين من ذوي الجاه والثروة والسلطة، كأنموذج فرعون الذي قال الله تعالى عنه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4]، والمتسلطين من الكهان الذين يتخذهم الناس أربابًا من دون الله كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:31 ].
أي يحلون لهم ما حرم الله فيحلونه، ويحرمون لهم ما أحل الله فيحرمونه، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها. وكانوا أيضًا يغلون في مشايخهم وعبادهم، ويعظمونهم، ويتخذون قبورهم أوثانًا تُعبد من دون الله، وتُقصد بالذبائح والدعاء والاستغاثة.
فهؤلاء جميعًا يخضعون الرقاب لإرادتهم، فإذا الشخص الواقع تحت تأثيرهم مصادرةٌ حريته في التفكير والتعبير، مسلوبة مشيئته في الحركة والفعل، فيورثه ذلك ضعفًا في نفسه، ووهنًا في إرادته، وانكسارًا ومذلة في وجدانه، يوجهان كل أقواله وأعماله في أحوال حياته كافة. إن الموحد لله الخالق المالك المدبر، المستحق وحده للعبودية، والخضوع والاستسلام الكاملين له، المتحررة نفسه من كل المخاوف والأوهام والأغلال والأصفاد، يشعر في ذاته بمشاعر العزة والقوة الكافية التي:
" تجعلانه ينأى بنفسه عن كل متسلط داخلي أو خارجي، بل تجعلانه ينظر إليهم نظرة استعلاء عليهم واستصغار لهم تحفز في نفسه النزوع إلى المقاومة والجهاد ليقطع الطريق أمام كل مستبد، وإنه ليتحمل في ذلك من الشدائد والمحن ما يفضي به أحيانًا إلى الموت استشهادًا في سبيل أن يكون مخلص العبودية لله وحده، متحررًا من كل مذلة لسواه."
ولا شك أن هذا الشعور النفسي لدى الإنسان يعد من عوامل التأهيل النفسي للقيام بمهام الخلافة في الأرض وعمارتها؛ إذ إن استشعار القوة النفسية يدفع إلى المبادرة والفعل والإنجاز.
ثالثًا: وحدة النفس
من أعظم فوائد التوحيد وثماره أنه:
" يجمع عناصر النفس ويوحد اتجاه المشاعر نحو مصدر واحد للتلقي، فيؤدي بذلك إلى أثر تركيبي بنائي في الشخصية، بعكس تعدد الآلهة وتعدد مصادر الخوف والنفع والضرر، فإنه يؤدي إلى توزع المشاعر وانقسام النفس وتشتت الانتباه إلى عديد الجهات، ويؤدي بذلك إلى تفكيك رباط الشخصية."
فالإيمان يجعل النفس موحدة القوى، منسجمة الأطراف؛ وذلك لأنها لا تدين بالولاء إلا لجهة واحدة هي جهة الأمر الإلهي، فالله وحده هو مصدر التلقي ائتمارًا وانتهاءً، لا يشاركه في ذلك مشارك. وكل الدواعي والرغائب التي ترد على النفس من داخلها أو من خارجها ترد إلى الداعي الإلهي ليكون عليها حكمًا يقر ما يقر، ويلغي منها ما يلغي فتنقطع علائقه بالنفس. وكذلك فإن الله وحده هو الوجهة التي ييممها الإنسان، ولا سبيل إليه إلا بينة لا تتردد فيها النفس ولا تتيه. فوحدة المصدر من جهة، ووحدة الوجهة من جهة أخرى، تورثان وحدة في النفس، تتآلف فيها قواها في غير ما خلل واضطراب، وتنطلق في طريق العمل بفعالية عالية وبطاقة إنجازية رفيعة.
بهما تحققت حضارة التوحيد بتصميم من نفوس الموحدين الذين وصفهم ابن عاشور قائلًا: "باليقين الديني أقدم المجتمع الإسلامي على تكوين الأوضاع العالمية في صورتها التطبيقية على ما ينبغي أن تكون عليه، وعلى نحو ما يناسب رجوعها كلها إلى الحقيقة الخلقية الإلهية التي أدركها، واعتز بأنه أحسن إدراكها وأحسن إدراك الأشياء بحسن إدراكها، فالحقيقة الاعتقادية الإلهية حينئذ هي الأساس لكل ما بنت الحضارة الإسلامية من هياكل حسية ومعنوية
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السادس عشر
المراهق ووسائل التواصل: إدمان خطير وآثار مدمِّرة
عيد العمال.. بين الواقع والظلال
أبناؤنا بين براءة الطفولة وسندان الترند
الشاهدُ العظيم.. في براءةِ أمِّ المؤمنين