د. فاطمة الزهراء دوقيه
الإنسان كما يريده القرآن - الجزء الثالث عشر
إذا كنّا قد تحدثنا سابقًا أن القرآن يشكل العقلية القويمة بحقائق الايمان والتوحيد في شكل تصورات ومبادئ اعتقادية سيقت له كمعارف جازمة، ومنهجية للفكر وللتفكير، فإن ذلك لا يكفي وحده لتزكية الإنسان وإصلاحه واستقامة سلوكه، لتحريكه للعمل وأداء مهامه الاستخلافية في الأرض كما يرضى الله تعالى. بل لا بدَّ أن يتزكى جانبه الآخر ويترقى، لتكتمل لديه عوامل الصلاح والتحفيز والفاعلية.
إنه جانب النفس التي بين جنبي الإنسان، أهم ما فيه؛ إذ تمثِّل المحرِّك المباشر للفعل والحركة والنشاط في الواقع، أي أنها أهم عوامل التحريك من حيث أنها محل الإرادة، وقد يعبر عنها بالقلب والوجدان. ونقصد بها معناها الخاص المتمثل 'فيما يكون محلًا للأحاسيس والعواطف والنوازع والآمال وغيرها مما هو في معناها'. [النجار، الايمان والعمران، ص٤٤]
أما معـنى تزكية النفس فهي كما أجمل الأصفهاني في مفرداته: تنميتها بالخيرات والبركات، [ص ٣٨١] فيما عبر سعيد حوى في مستخلصه أنها 'تطهيرها من أمراض وآفات، وتحققها بمقامات، وتخلقها بأسماء وصفات، فالتزكية في النهاية: تطهر وتحقق وتخلق، ولذلك وسائله المشروعة، وماهيته وثمراته الشرعية، ويظهر آثار ذلك على السلوك، في التعامل مع الله عز وجل ومع الخلق، وفي ضبط الجوارح على أمر الله' [ص٥].
ولا يخفى أن الحاجة إلى تزكية النفس الإنسانية حاجة دائمة ومستمرة؛ في كل وقت وحين، وإلى أن يلقى الإنسان ربه سبحانه القائل: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ یَأۡتِیَكَ ٱلۡیَقِینُ﴾ [الحجر:٩٩]، وذلك راجع إلى حقيقة وطبيعة هذا المخلوق الإنساني؛ إذ وهبه الله ملكات وصفات وقدرات، التي بها يستطيع التصرف في شؤون الحياة وعمارة الأرض؛ وهو المركب بقابليتي التقوى والفجور، فلا يصلح لخلافة الله -كما يقول الاصفهاني في ذريعته-'ولا يكمل لعبادته وعمارة أرضه إلا من كان طاهر النفس قد أزيل رجسه ونجسه، فللنفس نجاسة كما أن للبدن نجاسة … وإياها قصد تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسࣱ﴾ [التوبة:٢٨]، وبقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥]، وبقوله كذلك: ﴿كَذ لِكَ یَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنعام:125]. وإنما لم يصلح لخلافة الله إلا من كان طاهر النفس، لأن الخلافة هي الاقتداء به تعالى على قدر طاقة البشر في تحري الافعال الإلهية، ومن لم يكن طاهر النفس لم يكن طاهر القول والفعل فكل إناء بالذي فيه ينضح… قيل: من طابت نفسه طاب عمله، ومن خبثت نفسه خبث عمله'. [ص٨٦-٨٧]
بل تبرز حاجة الإنسان المسلم اليوم إلى التزكي والترقي هي الأشد والآكد؛ وهو الذي يعيش أصعب مراحله التاريخية، وأحطها حضاريا، فتزكيته وفق المنهج الإلهي كفيلة بتخليصه من خبراته السلبية التي ورثها من عصور الانحطاط والاستعمار.
بدون التزكية النفسيَّة يُفسِد الإنسان، ويستعبد أخاه الانسان، ويطغى ويتجبر، ويهلك الحرث والنسل. والحضارة المهيمنة اليوم القائمة على الإيمان بالمادة، لهي خير دليل وشاهد؛ فما طغيانها في حقيقته إلا نتيجة طبيعية لتحرُّر الصفات الإنسانية من الانضباط بأيِّ قيد. حيث يذهل صاحبها عن وجود رقيب يلاحظ كل تصرفاته ويدخر له العقوبة الصارمة على كل ما لا يرضى عنه من أنواع السلوك والصفات، فينطلق على سجيته يفعل كل ما تشاء له نفسه وتهواه… إن هذه الصفات عندما تنطلق على سجيتها، يتصارع أربابها في حلبة هذه الحياة، فيفوز أولئك الذين فاقوا غيرهم في القوة وأسباب السلطان، ويقع الآخرون بالضرورة تحت حكمهم وسلطانهم. ثم إنهم يستسلمون لما يقتضيهم الحال من قهر وذل قد ينتهيان بهم إلى عبودية مطبقة بسبب أنهم ذاهلون عن وجود إله خالق قاهر يقضي في خلائقه بما يشاء ولا معقب لحكمه وقضائه. ولو أن هؤلاء المستعبَدين وأولئك الطغاة المستعبِدين، أدركوا وجود الإله وصدقوا كلماته وآمنوا برسله، لأحجم الطغاة عن طغيانهم، وتحرر العبيد عن العبودية لأقرانهم' [البوطي، من أسرار المنهج الرباني، ص٩-١٠].
والإيمان هو السبيل الوحيد الآمن الذي إن سلكه الإنسان نجا وسلم؛ إذ به تنضبط تلك الطاقات والصفات والملكات في اتجاه تحقيق السعادة الإنسانية، وتحرره من كل العبوديات الا عبودية خالقه. إنه قضيته الحياتية الكبرى، وليست مسألة هامشية في هذا الوجود، يجوز له أن يغفله أو يستخف به، أو يدعه في زوايا النسيان، كيف وهي أمر يتعلق بوجوده ومصيره؟ هي أعظم'قضية مصيرية' بالنظر إليه. هي سعادته الأبدية أو شقوته، إنها لجنة أبدا أو لنار أبدا.[يراجع القرضاوي، الايمان والحياة، ص٥].
وهذا الإيمان الذي ندندن حوله ليس فقط تلك المبادئ الاعتقادية التي تتعلق بالكون والانسان والحياة، ورؤية العالم، التي يتشكل العقل بها كمعارف جازمة، ومفاهيم وقيم تصحيحية، وحقائق يقينية عقلية، بل هو ذلك العمل النفسي الذي يبلغ أغوار النفس، ويحيط بجوانبها كلها[يراجع النجار، الايمان والعمران، ص٤٤]، كما هو الإذعان القلبي والحرارة الوجدانية، الباعثين على العمل بمقتضيات العقيدة، والالتزام بمبادئها الخلقية والسلوكية والجهاد في سبيلها بالمال والنفس. ولهذا ألفينا القرآن الكريم يصف المؤمنين فيقول:﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِینَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِیَتۡ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِیمَـٰنࣰا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ یَتَوَكَّلُونَ * ٱلَّذِینَ یُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ* أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقࣰّاۚ لَّهُمۡ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةࣱ وَرِزۡقࣱ كَرِیمࣱ﴾ [الأنفال: ٢-٤]، ويقول: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ یَرۡتَابُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمۡوَ ٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]. فالإيمان في القرآن أخلاق حية، وأعمال ناصعة، تميز المؤمنين عن غيرهم، [يراجع القرضاوي، الايمان والحياة، ص١٦-١٧] ولهذا، جعله الله تعالى طريقًا للتزكية وسبلًا ووسائل مريدًا بذلك صياغة إنسان التزكية صاحب النفسية المستقيمة، يوجه صفاته وملكاته إلى سعادته وحياته الطيبة، وتعينه على الوفاء بوظيفته الاستخلافية في الأرض تحقيقًا للعبودية لله تعالى.
وفي المقالات القادمة نتناول ذلك الطريق وتلك السبل.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الإنسان كما يريده القرآن - الجزء الثالث عشر
من مزايا الصيام.. أضواء وبيان
فضائح إبستين في ضوء الشريعة الإسلامية – قراءة أخلاقية وقِيَمِيَّة
أهمية الوعي حول تأثيرات الأفلام الكرتونية
كتاب 'صراع الدول الأوروبية على فلسطين في القرن التاسع عشر'