كلمة السرِّ للتغيير ونهضة الأمّة
الأدَبُ قرينُ الإيمان والإحسان، وحليةُ الجمال، وقمّةُ الكمال في الإنسان، ومُستودعُ فَضائل الخصال والأعمال، ومَناطُ تحقيق كرامة الإنسان. وهو منهجُ تربية الأمّة الأصيل، الذي يحفظ عليها دينها وقيمها من كلّ دخيل، وحصنُ الأعمال الصالحة الحصين، وروحُها مِن أن تصبحَ جسدًا لا روح فيه، أو عاداتٍ جامدةً لا معنى لها.
إنّه عنوانُ حضارتنا، وفخرُ أمّتنا، ومحلُّ إجماع أئمّتنا؛ ورّثوه مَن بعدهم بحالهم قبل قالهم، وبإشاراتهم قبل عباراتهم، فكان إرثًا مباركًا ميمونًا في حقيقته وثمراته وآثاره.. وهو قبل كلّ شيء إرثُ النبوّة المَوصول بحبل الله عزّ وجلّ.
وخيرُ الأدَب ما يطهّر القلوب، ويحفظ الحقوق، ويزيل الظنون والأوهام، ويجتثّ العداوة والبغضاء، ويجمع الناس على كلمةٍ سواء. وهو مفتاحُ القلوب المُغلقَة مهما تباعدت، والسببُ الأكبر لاجتماع كلمتها، وتآلف مشاعرها، يوجب لصاحبه الاحترام حتّى من عدوّه، وهو خير ما يحفظ الأثر، ويجزي أهله الذكر الحسن. وأهلُ الأدَب أهلُ الحبّ والسماحة، ومكارم الأخلاق بلا حدود، لا ينغّص حياتهم غمّ أو كدر، ولا تصمد لهم حاجة إلى أحدٍ من البشر.
إنّها رؤية جديدة للأدب.. أدب النفس والجماعة، وعلاقاتهما المُتشابكة، تعيد للأدب اعتباره الشامل العميق؛ ليكون في بؤرة التربية، وَله المَحلّ الأعلى في كيانها، وليكون الدواء الأهمّ لأدوائها، في الوقت الذي تشهد فيه سَاحاتنا التربويّة والثقافيّة والواقعيّة عامّة تجاذبات وتخبّطات شتّى، بمنأى عن ساحة الأدَب ورشده.
تخيّل لو أنّ كلّ قوى المُجتمع الفاعلة توجّهت جهودها إلى أصول الأدَب وفروعه، وساحاته وميادينه، وشبّكت بين بعضها، ومع ما يتّصل بها بوشيج العلاقات، وصنعت النماذج الحيّة من القُدوات، الذين يعلّمون الناس بأخلاقهم وآدابهم قبل أن يعلّموهم بكلماتهم.. لرأيت عجبًا بإذن الله من نهضة الأمّة العاجلة، خلال جيل أو جيلين لا أكثر!
أفليس هذا خيرًا من أن نتخبّط بينَ الرؤى والمَناهج، والخطط والبرامج، التي نَنقضُ منها اليوم ما أبرمناه بالأمس، ونَنقضُ في الغد ما أبرمناه اليوم، وتتبعثر جهودنا شرقًا وغربًا، ويستمرّ عدوّنا في تخريب حصوننا من الداخل، وقنص شبابنا وفتياتنا من بين أيدينا؟! لأنّ قلوبَهم هَواء، وأفكارَهم هُراء، وشَخصيّاتِهم هشّة كالغُثاء.
فالأدَب في مبدأه وحقيقته نورٌ يشعّ في القلب من روحٍ تحلّق في سماء الحبّ والمَعرفة، يَجلُو قترَ الدنيا، وظلمةَ الأهواء والشهوات، ثمّ يَنتشرُ بين القلوب، ويملأ مساحات الحياة، وتنتظم به العلاقات، على حسب قوّة تلك الروح وتمكّنها.
والأدَب خَطٌّ من النور واصلٌ منَ الإسلامِ إلى الإيمان، إلى الإحسان، إلى ما شاء اللهُ من مَراقي الشهود لمَا يفتح الله على العبد من الرحمات. والأدَب روحُ الأخلاق، لا تنفكُّ عنه، ولا يبعد عنها، وبدونه تكون الأخلاقُ صورةً جامدةً، أو بحثًا عن مصلحة ومنفعة، أو مجاملةً سمجةً لا تخفى على أحد.
والأدَب لا تتحقّق به نَهضةُ الأمّة إلاّ إذا أصبح حالةً مجتمعيةً عامّةً متكاملة، تحيط بالفرد منذ ولادته ونشأته الأولى، من خلال محاضن تربويّة، يتشابك فيها عملُ الأسرة مع المَسجد، مع المُجتمع، مع المُؤسّسات التربويّة المُشابهة، وتلتقي جميعًا على أهداف متقاربة، ممّا يشكّل بيئةً تربويّةً سَويّة، لا تجد فيها عوجًا ولا أمتًا.
والأدب لا يكون كلامًا مُنمّقًا يدار على الألسن؛ إنّه تربية للنفس، وتهذيب لها، وضبط لرعوناتها، ووقوف بها عند حدودها، وسُموّ بها في علاقاتها. إنّه معدنُ النفس السامية قبل أن يكون حفظًا لحقوق الآخرين، وحسن خلق معهم.
قال الخطيب البغدادي رحمه الله:
"والواجب أن يكون طلبةُ الحديث أكملَ الناس أدبًا، وأشدَّ الخَلق تواضعًا، وأعظمَهم نزاهةً ودينًا، وأقلَّهم طيشًا وغضبًا، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المُشتملة على محاسن أخلاق رسول الله ﷺ وآدابه، وسيرة السلف الأخيار". الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/78).
يقول الفقير إلى الله: ولأنّهم قدوة للناس، ومعلّمون مربّون، فالسيّئة منهم فاحشة مستهجنة جدًّا.
وقال الإمام القَرَافيُّ رحمه الله في كتابه "الفروق"، وهو يتحدّث عن موقع الأدب من العمل، وبيان أنّه مقدَّم في الرتبة عليه:
"واعلم أنّ قليل الأدب خير من كثير من العمل، ولذلك قال رُوَيْم العالم الصالح لابنه: يا بُنَيَّ اجعل عملك مِلْحًا، وأدَبك دَقيقًا. أَيْ: اسْتَكْثِرْ مِنْ الأدَبِ حَتَّى تَكُونَ نِسْبَتُهُ فِي الكثرَةِ نِسْبَةَ الدَّقِيقِ إلَى المِلْحِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الأَدَبِ مَعَ قَلِيلٍ مِنْ العَمَلِ الصَّالِحِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ العَمَلِ مَعَ قِلَّةِ الأدَبِ.. فَاللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَتَأَدَّبُوا مَعَهُ كَمَا يَتَأَدَّبُونَ مَعَ أَمَاثِلِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ المُمْكِنُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ الطَّاعَةُ، وَلَا تَضُرُّهُ المَعْصِيَةُ، وَلَمَّا كَانَ الأَدَبُ مَعَ المُلُوكِ أَعْظَمَ نَفْعًا لِفَاعِلِهِ وَأَجْدَى عَلَيْهِ مِنْ كَثِيرِ الخِدْمَةِ مَعَ قِلَّةِ الأَدَبِ، كَانَ الوَاقِعُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كذَلِكَ." (96/3).
وختامًا؛ فمهما قيل في الأدَب فهو أوسع وأجمع ممّا قيل وأشمل.. إنّه يجمع ما جاء في كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ﷺ وهديه، ومَا أُثر عن سلف الأمّة من مواقف وَأخبار، ودقائق المَعارف والأذواق.. إنّه يَمتدّ فِي حضارة الإسلام طولًا وعرضًا وعمقًا، وعلمًا وثقافة، ويتّسع مداه إلى آفاق لا تقف عند حدّ، ليكون هوّيّة الأمّة وانتماءها.
والله وليّ التوفيق والسداد.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




كلمة السرِّ للتغيير ونهضة الأمّة
الإساءة إلى الذات الإلهية وأثرها في المجتمعات
إجراء التَّجربة قبل خوضها في النَّسويَّة والشُّذوذ
زينة عابرة.. أم صحيفة عامرة؟
لو رأيْتهم يا رسول الله!