د. رياض علي الحسين
دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن الكريم من جامعة الجنان.
متخصص في التفسير البياني والبلاغة القرآنية.
يا صاحبَ القلبِ الـمُثقَلِ بالأوجاع، ويا مَنْ أضناك فقدٌ، أو أَرهقَك فشلٌ، أو أوجعتك خيبةٌ، أو كسرَتكَ التحديات.
ويا من تجرَّعتَ كؤوسَ الفقدِ حتى استقرَّ الـمُرَارُ في حَنايا روحِك، أما آن لهذهِ المآقي أن تستريح؟ ولهذه الدموع أن تجفَّ؟ أما آن لهذا الحزنِ أن ينزلَ عن عرش قلبِك بعدما استوفى ما أرادَ من السنين والأيام؟
إنَّ الحياةَ لا تقِف عند بابٍ أُغلق، ولا تنتهي عند اسمٍ غاب، ولا تنطفئ لأنَّ حُلْمًا تعثّر في أوّل الطريق، وما خلق اللهُ الإنسانَ ليقيم خيمته على أطلالِ الخسارات، بل خَلَقَهُ ليبنيَ من الحجارة التي تعثرَ بها سُلّمًا يصعدُ عليه إلى قِمم الحياة.
أيُّها الراسبُ في امتحانِك، لا تظنَّنَّ أنَّ ورقةً كُتبَ فيها رقمٌ ناقصٌ قد كُتب معها مصيرُك كلّه؛ لأنَّ الامتحانَ الذي أخفقتَ فيه ليس إلا صفحةً واحدة من كتابِ العُمُر، أمَّا الكتابُ ذاتُه فما زالَ مفتوحًا، وما زالَت صفحاتُه البيضاءُ تنتظرُ قلمَ الإنجاز. إخفاقُك اليوم ليس حُكمًا بالإعدام على قدراتك، فكم من رجلٍ سقطَ في أوَّل الطريق فظنَّه الناسُ هالِكًا، ثم نهضَ حتى سبقَ الذين كانوا يرمُقُونَه بعينِ الشفَقة!
وأنت أيُّها الخاسرُ في تجارتِك أو عملِك، لا تحسب أنَّ المالَ الذي خسرتَه أخذَ معه قيمتَك، فالذهبُ لا يصنع قيمةً للرجال، وإنّما الرجال هم الذين يسبِكون الذهب ويحدِّدون قيمتَه، وما خسارة المال إلا تجربةٌ قاسية تُعلِّم العقلَ ما لا تُعلِّمُه أرباحُ الأعوامِ المتلاحِقة. إن ضرباتِ الحياة لا تأتي لتهشِّمك، بل لتصقلَ معدنَك. كن كالسهمِ الذي يستمدُّ من قوّة التراجعِ إلى الخلفِ طاقةً هائلةً للانطلاقِ نحو الأعلى؛ فكلَّما كان الارتدادُ قاسيًا، كان التحليقُ أعلى وأقوى.
وأنتِ أيتها المُطلَّقة، لا تجعلي من نهايةِ علاقةٍ نهايةً للحياة؛ فإنَّ الشجرةَ إذا قُطِعَ منها غُصنٌ لا تموت، بل ربما أخرجت مكانَه أغصانًا أكثرَ خضرةً وأشدَّ قوة. فلا تنظري إلى نفسِكِ بعين النقص؛ فإنَّ الله لم يخلقكِ لتكوني أسيرةَ ذكرى، بل لتكوني إنسانًا له مستقبلٌ ورجاءٌ، ورسالةٌ وهدف، ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾.
وأنت أيُّها المفجوعُ بفقدِ حبيب، إنّنا لا ننكرُ ألمَ الفقدِ، ولا نزعمُ أنَّ القلوبَ تنسى بسهولة، فالذكرياتُ أحيانًا تسكنُ في القلب كما تسكنُ النجومُ في السماء، لا تسقطُ كلُّها دفعةً واحدة، وكما قيل: كلُّ ما في الأرض من فلسفةٍ لا يعزّي فاقدًا عمَّن فقد. لكنَّ الذين نحبُّهم لا يريدون لنا أن نموتَ معهم ونحنُ أحياء. إنَّ أجملَ الوفاءِ للراحلين أن نحملَ قيمَهم في حياتِنا، لا أن نحملَ قبورَهم في صدورِنا.
لقد بكى يعقوبُ حتى ابيضّت عيناه من الحُزن؛ لكنَّه لم يفقد الأمل، واشتد البلاء على يوسف حتى صار من الجبِّ إلى السجن؛ لكنَّه لم يفقد الثقةَ بالله. وما بين دمعة يعقوب وثبات يوسف درسٌ خالدٌ: أنّ المؤمن يحزن؛ لكنَّه لا ينهزم، ويبكي؛ لكنَّه لا ينكسر، ويتألمُ؛ لكنَّه لا يستسلم، فلا تعشْ في سراديب اليأس بينما النور يملأ الآفاق.
إنَّ الدموعَ دواءٌ إذا كانت عابرة، لكنَّها تصبحُ داءً إذا تحوَّلت إلى أحزانٍ متجدِّدة، وما أكثرَ الذين جعلوا من أحزانِهم قبورًا دفنوا فيها أعمارَهم وهم لا يشعرون! صنعوا من الأسى قيودًا، فتوهَّموا أنَّها سلاسلُ مِن قَدَر، وما هي إلا من نسيجِ الوهم وأباطيلِ النفس.
الحياةُ لا تنتظر الباكين طويلًا، والزمنُ لا يلتفت إلى الواقفين عند مَفارق الطُرُق، بل يمضي بـمَن تقدَّم ويتركُ من تأخَّر.
انهض.
انهض ولو كانت قدماك ترتجفان.
انهض ولو كنتَ لا ترى في الأُفُقِ إلا الضباب.
انهض ولو أخبرَك الناسُ أنّ الأمرَ قد انتهى.
فكم من نهايةٍ ظَنَّها صاحبُها قبرًا، فإذا هي بوابةٌ إلى بدايةٍ لم يكن يحلُم بها.
لا تقل: خسرت.
بل قل: تعلَّمت.
لا تقل: انتهى كلُّ شيء.
بل قل: بدأ فصلٌ جديد.
لا تقل: لماذا حدثَ لي هذا؟
بل قل: ماذا يريدُ الله أن يعلَّمني من خلاله؟
واعلم أنَّ الشمسَ لا تتأخرُ عن الشروق لأنَّها غابت بالأمس، وأنَّ الربيع لا يعتذرُ عن المجيء لأنَّ الشتاءَ كان قاسيًا، وأنَّ القلبَ الذي عرف الله لا يحقُّ له أن يقيم في اليأسِ طويلًا.
فامسح دموعَك، وأغلِق دفترَ الحسرة، وافْتَح نافذة الرجاء.
ثم سرْ إلى الحياة بقلبٍ جديد، وروحٍ فتيّة.
فما دامَ في صدرِكَ نَفَسٌ يتردَّد، وفي السماءِ ربٌّ رَحيم، فلا يزال هناكَ ما يستحقُّ أن يُعاش من أجله.
لا مزيدَ من الدموع... فالغَد ينتظر الذين ينهضون إلى الحياة من جديد.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
د. رياض علي الحسين
دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن الكريم من جامعة الجنان.
متخصص في التفسير البياني والبلاغة القرآنية.
لا مزيدَ من الدموع
سرد القوافي المتين، لأصحاب الكهف والرّقيم
دور الأسرة في مواجهة الأفكار الإلحادية
الواثقون بأنفسهم
صور من عداوة اليهود.. من الآباء إلى الجدود