دكتوراه في الإعلام الإسلامي. حاصل على جائزة الملك عبدالله الثاني للإبداع وجائزة الشارقة لأدب اليافعين. كاتب وصحافي وأستاذ منتدب في كلية التربية الأساسية في الكويت قسم اللغة العربية. عضوٌ في الهيئة الاستشارية لمجلة إشراقات.
الكتابة للطفل رسالة ومسؤولية
الكتابة للطفل ليست مجرد هواية أو وسيلة لتحقيق الشهرة والربح، بل رسالة تربوية وإنسانية تستحق الإخلاص والصبر، فالكاتب الحقيقي لا يكتب لمجرد الكتابة بل لأنه يؤمن بالطفولة ودورها في صناعة المستقبل، كما أنه يستمتع بعملية الإبداع نفسها، مهما واجه من صعوبات في النشر أو قلة تقدير، فإنْ كان الكاتب يؤمن بأن أدب الطفل المسلم يسهم في بناء الإنسان وهويته الدينية والثقافية والاجتماعية، فعليه أن يمضي قدمًا في طريقه بثبات، مستعينًا بإيمانه العميق وبالقيم الدينية الأصيلة، جاعلًا منفعة الطفل هدفه الأول، ولا بأس أن يطمح إلى مردود مادي أو تقدير معنوي، شريطة ألا يتحول ذلك إلى غايته الأساسية، ومن خلال تجربتي الطويلة في عالم الكتابة.. أوجز، و"باختصار" يسمح فيه المجال، بعض الأفكار "البسيطة" المستخلصة من تجربة تمتد لأكثر من أربعة عقود في هذا الفن:
أولًا، الكلمة أمانة؛ فكل كلمة يقرأها الطفل تترك أثرًا في شخصيته؛ لذلك ينبغي أن يكتب الأديب للأطفال كما لو أنه يكتب لأبنائه ويعي خطورة ما يكتبه وأن هناك عين تراقبه وهناك حساب ينتظره، فالنص الطفولي ليس وسيلة للتسلية والترفيه والمتعة فحسب، بل أداة لبناء القيم، وتنمية الخيال، وتعزيز التفكير، وحماية الطفل من الغلو والعنف والكراهية والانحراف.
وفي هذا الزمن الذي تتزاحم فيه المواد السطحية والسريعة و"اللا أخلاقية"، تتضاعف مسؤولية الكاتب الجاد الملتزم في تقديم محتوى أصيل يجمع بين المتعة والفائدة، ويمنح الطفل ما يساعده على النمو الإيماني الصحيح، والفكري السديد والنفسي المتزن والوجداني الواعي.
ثانيًا، شخصية الكاتب قبل نصه: إن الكتابة للأطفال ليست باعتقادي مهارة لغوية فحسب أو معلومات دينية أو عامة، بل هي انعكاس لشخصية الكاتب وقيمه، فالنص الصادق يخرج من تجربة حقيقية وإيمان عميق، لا من رغبة عابرة في التأليف أو المنافسة.
لقد زاملتُ خلال سنوات طويلة عشتها في رحاب في أدب الطفل كتّابًا بدأوا بحماس كبير ثم انسحبوا تدريجيًّا أو سريعًا، لأنَّهم في الحقيقة وإن كانت لديهم الموهبة والحماس في البداية؛ فإنهم لم يكونوا يحملون همَّ الرسالة من الداخل بل طموحات أكبر من الواقع.. أما الذين استمروا، فكانوا وما زالوا يؤمنون بأن الكتابة للطفل جزء من رسالتهم في الحياة.
ولهذا لا ينبغي للكاتب أن يجعل الجوائز أو الشهرة محور اهتمامه؛ فالنجاح الحقيقي يقاس بما يتركه النص من أثر في نفوس الأطفال، لا بعدد الجوائز أو عبارات الإعجاب، أو بما يحققه من مردود مالي.
فالإبداع لا يُقاس بالمكاسب لكن المؤسف أن ينشغل البعض بالعائد المادي حتى قبل أن يكتبوا حتى أوَّل نص لهم، والحق أن معظم كتّاب الأطفال العرب يمارسون أعمالًا أخرى، ويكتبون بدافع الرسالة أكثر من المكسب، ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الجوائز أو المقابل المادي، وإنما التأكيد على أنها وسائل تشجع الكاتب، وليست الغاية التي يُكتب من أجلها.
ثالثًا، لا شك أن فهم الطفل ضرورة؛ فالطفل يتغير بتغير الزمن، لذا لا يصحُّ التعامل معه بعقلية الأمس، فكثير من التقسيمات التقليدية لمراحل الطفولة تحتاج بنظري إلى مراجعة في ضوء المتغيرات التربوية والتقنية والثقافية التي يعيشها طفل اليوم، ومن هنا فإن الكاتب مطالب بأن يراقب عالم الطفل المعاصر، ويقرأ اهتماماته، ويتابع تغيراته، بدلًا من الاكتفاء بتكرار النظريات القديمة دون مراجعة أو تطوير.
رابعًا، النص الطفولي: ليس نصًا عاديًا يختلف عنه في قلة الكلمات أو بساطة الأسلوب فحسب، بل هو فن يحتاج إلى كاتب يمتلك حسًا طفوليًا صادقًا، ويعيش عالم الطفل ويفهم حاجاته واهتماماته، فالكتابة للأطفال ليست مجالًا سهلًا كما يتصوره البعض، وإنما مسؤولية تربوية وثقافية تتطلب معرفة وخبرة وموهبة.
ولا يكفي أن يمتلك الكاتب القدرة على صياغة العبارات الجميلة، بل ينبغي أن يقرأ كثيرًا في أدب الطفل، ويتابع مجلاته وبرامجه، ويقترب من الأطفال في مدارسهم وأنديتهم وبيئاتهم المختلفة، حتى تصبح معرفته بعالمهم معرفة حقيقية لا نظرية، كما أن النجاح الأول لا يعني الاكتفاء بما تحقق، بل هو بداية رحلة مستمرة من التعلم والتطوير والقراءة والنقد الذاتي.
خامسًا، الإبداع عمل جماعي؛ لا شك أن الكاتب وحده لا يصنع العمل الطفولي المتميز، فنجاح الكتاب أو المجلة أو الفيلم أو المسرحية أو الموقع أو التطبيق الإلكتروني.. يحتاج إلى فريق متكامل يضم الرسام والمخرج والممثل والمربي واللغوي والمصمم وغيرهم من المختصين، يعملون جميعًا لتحقيق هدف واحد، والتجارب العالمية الناجحة لا تقوم على جهود فردية، بل على مؤسسات وفرق عمل متخصصة، تؤمن بالطفل وتستثمر في بناء شخصيته، فما أحوجنا إلى اليوم إلى مثل هذه التجارب في عالمنا العربي، حيث ما زال الاهتمام بأدب الطفل وإعلامه دون المستوى المأمول.
سادسًا، الإخلاص للطفولة أساس النجاح في هذا الميدان، فالكاتب الذي ينظر إلى الطفل باعتباره رسالة سيبذل أقصى جهده ليقدم له أفضل ما يستطيع، أما من يجعل الشهرة أو المال غايته الأولى، فسيفقد مع الزمن صدق رسالته، ولعل كثيرًا من المشكلات الفكرية والقيمية التي تعانيها مجتمعاتنا اليوم تعود إلى إهمال الطفولة، وإلى ضعف الاستثمار في بناء الإنسان منذ سنواته الأولى، ومن هنا فإن مسؤولية الكاتب لا تقل أهمية عن مسؤولية المربي والمعلم.
سابعًا، اللغة بين السهولة والثراء ضرورة أساسية، لكن المبالغة في استخدام المفردات الصعبة قد تنفر الطفل من القراءة، والمطلوب هو لغة سليمة واضحة، تثري قاموس الطفل تدريجيًا دون أن تثقل عليه أو تحوّل النص إلى درس لغوي، فالطفل يتعلم اللغة عندما يحب القراءة، أما إذا ارتبط الكتاب في ذهنه بالصعوبة والملل، فقد يخسر عادة القراءة منذ البداية، ولهذا ينبغي أن تقوم النصوص المدرسية والأدبية على التشويق والمتعة، مع المحافظة على سلامة اللغة وجمالها.
ثامنًا: الخيال طريق إلى الإبداع؛ فالخيال من أهم ما يميز أدب الطفل، يفتح أمامه آفاق التفكير والاكتشاف والابتكار، وكثير من الإنجازات الإنسانية بدأ فكرةً خيالية قبل أن يصبح حقيقة، غير أن الخيال الناجح هو الذي يوسع أفق الطفل دون أن يقطع صلته بالواقع، ويمنحه الأمل والطموح، ويحفزه على التفكير والإبداع، لا على الهروب من الحياة.
ختامًا؛ لا شك أنَّ الكتابة للطفل ليست بابًا للشهرة ولا طريقًا سهلًا إلى النجاح، بل هي رسالة تتطلب الإخلاص والعلم والصبر والتطوير المستمر، وهي مسؤولية مشتركة بين الكاتب والرسام والمربي والناشر والإعلامي، هدفها بناء إنسان قادر على التفكير والإبداع وحب الخير، فإذا حمل الكاتب هذه الرسالة بإيمان وأخلص في أدائها وجعل الطفل محور اهتمامه، فإن أثر كلماته سيمتد إلى أجيال، وسيكون ما يزرعه اليوم حصادًا لمستقبل أكثر وعيًا وجمالًا.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الكتابة للطفل رسالة ومسؤولية
فطال عليهم الأمد
أين كان الحديث قبل البخاري؟
العلَّامة مازن المبارك وتسعة عقود في محراب الضَّاد
لمودِّعي المونديال... ليس كلُّ فوزٍ فوزًا