كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
لم تعد تربية الأبناء في عصرنا مهمة يسيرة كما كانت في كثير من الأزمنة السابقة؛ فالأطفال اليوم يعيشون في عالم مفتوح تتزاحم فيه المؤثرات، وتتنافس على عقولهم الشاشات والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الحديثة، حتى غدت الأسرة في كثير من الأحيان طرفًا واحدًا في معركة طويلة على تشكيل شخصية الطفل وتوجيهها.
وفي خضم هذا الزحام تتكاثر النظريات التربوية وتتعدد المدارس، حتى يقع كثير من الآباء والأمهات في الحيرة بين الآراء المتعارضة والتوصيات المتناقضة؛ فهناك من يدعو إلى إلغاء العقوبة تمامًا، وآخر يرى ضرورة استعمالها في بعض الأحوال، وهناك من يحذر من الشاشات مطلقًا، وآخر يجيزها ضمن ضوابط معينة، فضلًا عن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي ألقت بظلالها على الأسرة ووظائفها التربوية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى العودة إلى معين صاف لا ينضب، ومنهج جمع بين الوحي والخبرة الإنسانية، وهو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربية الأطفال وبناء الأجيال.
إن تربية الأبناء ليست خيارًا ثانويًا في حياة الوالدين، بل هي أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "البر لا يبلى، والإثم لا ينسى، والديان لا ينام، فكن كما شئت، كما تدين تدان".
فمن بذل جهده في رعاية أبنائه وتوجيههم، وسهر على صلاحهم واستقامتهم، كان من أرجى الناس أن يجني ثمرة غرسه في حياته وبعد مماته. أما من أهمل وضيع أبناءه نهبًا للمؤثرات المنحرفة، فإنه غالبًا ما يحصد آثار هذا التفريط في دنياه قبل آخرته.
وقد جعل الشرع الشريف هذه المسؤولية موضع سؤال بين يدي الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته» رواه ابن حبان في صحيحه.
وإذا كانت الأموال والعقارات تورث للأبناء، فإن الإيمان والأخلاق والقيم هي الميراث الحقيقي الذي يبقى أثره بعد رحيل الوالدين، بل يمتد نفعه إليهما في قبريهما؛ فقد قال ﷺ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم.
الرحمة أساس التربية النبوية
من يتأمل سيرة النبي ﷺ يدرك أن الرحمة كانت الأصل الذي قامت عليه تربيته للأطفال، وأن الشدة لم تكن إلا استثناء محدودًا تفرضه الضرورات.
ومن أبرز صور هذه الرحمة التغاضي عن كثير من الأخطاء الصغيرة التي لا تمس العقيدة أو الأخلاق أو الحقوق. فالطفل، بحكم حداثة سنه، كثير الخطأ والنسيان والتجربة، وملاحقته على كل هفوة تورثه الضيق والملل، وربما أفقدت النصيحة أثرها.
وقد خدم أنس بن مالك رضي الله عنه النبي ﷺ عشر سنين، فقال: "ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟" رواه البخاري ومسلم.
ولا يعني التغاضي ترك التوجيه، وإنما يعني الحكمة في اختيار المواقف التربوية التي تستحق الوقوف عندها.
ومن أصول الرحمة أيضًا ضبط النفس عند الغضب؛ فكم من كلمة قاسية أو موقف منفعل هدم في دقائق ما بُني في سنوات. لذلك قال رسول الله ﷺ: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" رواه البخاري ومسلم.
والمربي الناجح لا يربي أبناءه في لحظة غضب؛ لأن الغضب يحجب الحكمة ويعطل الإنصاف، ويجعل العقوبة أقرب إلى الانتقام منها إلى الإصلاح.
أما الضرب، فمع أن طائفة من العلماء أجازته في أضيق الحدود وضمن ضوابط دقيقة، فإن واقع العصر الحاضر يدعو إلى تضييق دائرة اللجوء إليه إلى أقصى حد، وتقديم الحوار والرفق والتدرج؛ لأن المقصود من التربية بناء القلوب لا كسرها، وكسب الأبناء لا خسارتهم.
وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا» رواه مسلم.
ولهذا كان الرفق سمة ظاهرة في منهجه صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» رواه مسلم.
ومن مظاهر هذه الرحمة أيضًا احتضان الأطفال، وإظهار المودة لهم، والدعاء لهم على مسامعهم. فالطفل لا يحتاج إلى الطعام والشراب فحسب، بل يحتاج كذلك إلى الحب والأمان والشعور بقيمته.
وقد ضم النبي ﷺ ابن عباس رضي الله عنهما إلى صدره وقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» مسند أحمد.
إن الدعاء للأبناء أمامهم لا يمنحهم الطمأنينة فحسب، بل يرسم لهم الصورة التي يرجوها الوالدان لمستقبلهم، ويغرس في نفوسهم الثقة بالله تعالى والاعتماد عليه.
بناء شخصية الطفل
لم تكن التربية النبوية تقتصر على معالجة الأخطاء، بل كانت تهدف إلى بناء شخصية متوازنة قوية قادرة على تحمل المسؤولية.
ومن هنا كان النبي ﷺ يمنح الأطفال الثقة ويعاملهم باحترام، كما فعل مع ابن عباس رضي الله عنهما حين قال له: "يا غلام، إني أعلمك كلمات..."
إن هذا الخطاب يشعر الطفل بقيمته ويعزز ثقته بنفسه.
ومن الأخطاء الشائعة أن يقوم الوالدان بكل شيء نيابة عن أبنائهما، فينشأ الطفل ضعيف المبادرة، قليل الاعتماد على نفسه. بينما التربية الناجحة تمنحه مسؤوليات تتناسب مع عمره وقدراته، فيرتب أغراضه، ويشارك في بعض أعمال المنزل، ويتحمل نتائج بعض قراراته المناسبة لسنه.
كما أن القوة البدنية جزء من بناء الشخصية؛ فالطفل الضعيف المنهزم أمام أقرانه يختلف عن الطفل الواثق القادر على الدفاع عن نفسه وضبط انفعالاته.
وقد قال رسول الله ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف". رواه مسلم.
لذلك يحسن بالأولياء تشجيع أبنائهم على الرياضات النافعة والأنشطة التي تنمي القوة والانضباط والثقة بالنفس.
التربية بالعلاقة لا بالأوامر
كثير من الآباء يجيدون إصدار الأوامر، لكنهم لا يجيدون بناء الجسور مع أبنائهم.
وقد علمنا النبي ﷺ أن الطريق إلى قلب الطفل يمر عبر الاهتمام بعالمه الخاص ومشاعره الصغيرة.
فقد كان لأنس رضي الله عنه أخ صغير له طائر يلعب به، فكان النبي ﷺ يقول له: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟" رواه البخاري ومسلم.
السؤال عن طائر كبير في قلب الطفل، ولذلك احترم النبي ﷺ اهتماماته ومشاعره.
ومن هنا تظهر أهمية الحوار مع الأبناء، وسؤالهم عما يحبون ويكرهون، وما يشغل تفكيرهم، والإصغاء إليهم دون استعجال أو استهزاء.
فالطفل الذي يشعر أن والديه يسمعانه يصبح أكثر استعدادًا لسماع نصائحهما.
بناء البيئة الصالحة
لا يكفي أن يكون الوالدان صالحين إذا كانت البيئة المحيطة بالطفل تجره في الاتجاه المعاكس.
ومن هنا تبرز أهمية اختيار الصحبة الصالحة، فقد قال رسول الله ﷺ: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير» رواه البخاري.
ويبدأ اختيار الصحبة منذ سنوات الطفولة الأولى، سواء في محيط الأسرة أو المدرسة أو الأنشطة الاجتماعية.
كما أن من واجب الوالدين حماية الطفل من المحتويات الضارة التي تبثها بعض الشاشات والمنصات الإلكترونية، وانتقاء ما يناسب عمره وقيمه ومستوى إدراكه.
ويأتي ضمن ذلك مراعاة التربية الجنسية السليمة، من خلال تعويده الحياء وستر العورة والتفريق بين الأبناء في المضاجع، وإبعاده عن المشاهد والصور التي تفسد فطرته أو توقظ غرائزه قبل أوانها.
التربية على العبودية والعطاء
ومن أعظم أهداف التربية النبوية بناء صلة الطفل بربه، وتعويده على العبودية منذ الصغر.
ولهذا ينبغي تعويده الصلاة تدريجيًا، وربطه بالمسجد، وتنمية محبته للقرآن الكريم؛ فالطفولة هي المرحلة الذهبية لحفظ القرآن وتكوين العلاقة الوجدانية معه.
كما ينبغي تربيته على البذل والعطاء، وتعويده الصدقة من ماله الخاص، ولو بالقليل؛ لأن النفس مجبولة على حب التملك، والصدقة تكسر سلطان الأثرة وتغرس الرحمة والإحسان.
ومن الجميل كذلك أن يتعلم الطفل الأعمال الخفية؛ كصدقة السر، أو الدعاء للناس بظهر الغيب، أو تقديم معروف لا يعلم به أحد، حتى ينشأ على الإخلاص لا على حب الظهور والثناء.
خاتمة
إن التربية ليست مجموعة أوامر ونواه، ولا برنامجًا مؤقتًا ينتهي عند بلوغ الأبناء، وإنما هي مشروع عمر طويل تُبنى فيه العقول، وتهذب فيه النفوس، وتغرس فيه القيم.
وإذا كانت النظريات التربوية الحديثة تتبدل وتتغير بين حين وآخر، فإن الهدي النبوي يبقى معينًا متجددًا يجمع بين معرفة النفس البشرية والرحمة بها، ويوازن بين الحزم والرفق، وبين بناء الإيمان وتنمية الشخصية. وما أحوج أسرنا اليوم إلى أن تستضيء بهذه المعالم النبوية، فتخرج جيلًا يعرف ربه، ويحب نبيه، ويعتز بدينه.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
الطفولة في مدرسة النبوة: كيف ربّى النبي ﷺ الأطفال؟
تشريح العالمانية - الجزء الرابع
نظرات وتأملات: بين الفانيات والباقيات
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السابع عشر
تشريح العالمانية - الجزء الثالث