كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
الإنسانُ بلا إرادةٍ كيانٌ مُلقى على هامشِ الحياة، وعالةٌ على غيره في المسار والمصير. فإذا سُلب القدرةَ على أن يريدَ، أو أن يمضيَ، أو أن يفعل، دخل في متاهةٍ من الضياع لا يُحسد عليها. ومن ثَمَّ، تُختصر حياتُه في مأكلٍ وملبسٍ وترفُّه، ويتحوّل إسلامُه إلى هامشٍ عابر أو فضلةٍ في جدول الزمن. فما أبأسَ مَن يبكي على احتفالٍ فاتَه، أو هاتفٍ لم يقتنه، أو مركبةٍ امتلكها غيره، بينما لا يرفُّ له جَفن لصلاةٍ ضيّعها، أو أبناءٍ أهملَهم، أو مسلمين يرتجفون بردًا في الخيام لا يكترث لأمرِهم!
وفي استذكار نماذج الصفاء الأولى، تتجلى لنا صورة الإرادة واضحةً، فلمَّا قدِمَ عُمَر بن الخطاب ] الشامَ قال لأبي عبيدة: «اذهب بنا إلى منزلك». فقال: «وما تصنعُ عندي؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك عليّ». فلما دخل، لم يرَ إلا لِبَدًا وصَحْفَةً وشَنّا (يعني: بساطاً، وآنية، ووعاء ماء). قال: «أين مَتاعك؟ وأنت أمير؟!».. ثم بكى عمر.
وإن من أعظمَ ما يصنع الإرادةَ المعاناةُ، فلا تُبنى الإرادة في الرَّخاء الدائم، بل في الألم المُمضّ، والصبر المقصود، والتكليف الذي يُخالف الهوى. فلا بدّ من معاناةٍ تُنشئ إنسانًا قادرًا على أن يقول: «لا» حين تكون «لا» حفظًا لدينه، وصيانةً لكرامته، ورَفعًا لرأسه.
أن يقول «لا» لتضييع الوقت، ولو حبستْه في عمل طويل يريد أن ينجزَه.
أن يقول «لا» للنوم عن الفجر، ولو انتزعتْه من فراشٍ دافئ إلى ماءٍ بارد. أن يقول «لا» للشهية والشهوة في نهار رمضان، ولو كان مريداً لها.
وأن يقول «لا» للكذب وشهادة الزور، ولو كانت «لا» سكِّينًا على رَقَبته.
فقد تصنـــــــــــــع «لا» الحاسمةُ رجــــــــــــلاً، وقد تُحيــــــــــــــل «نعم» المنفلتـة الإنسانَ دابةً يركبها من يشاء. وإنَّ من أعظم مصانع الإرادة: الصيام.
فالامتناعُ مع القدرة عليه تدريبٌ عمليٌّ على ضبط النفس، وبناء القرار، وتحرير الإنسان من أَسْرِ العادة.
إن الصيام ليس كفًّا عن المباح فحسب، بل هو مدرسةٌ لتكوين الإرادة؛ فحين تُمنَع النفسُ عمّا تشتهي مع القدرة عليه، تتعلّم أن تكون سيّدةً لا أسيرة.
وقد نسبَ اللّه تعالى الصيام عبادةً متفرِّدةً له تعالى، واختص - سبحانه- بالجزاء عليها، فقال في الحديث القدسي: «الصيام لي وأنا أجزي به»، لأنه إعلانٌ لا شيةَ فيه بالعبودية، واعترافٌ خالص بالرّبوبية.
وما شهدناه في غزة - على امتداد أكثر من عامين - من جِراحٍ تَنزف، وألسنةٍ تلهجُ بالقول: «ارضَ عنّا يا رب» شاهدٌ على قوّة هذه الإرادة وثَبَاتها، فمَن يملِكُ الصبر إلى آخر الطريق هو الذي ينتصر، والضربة التي لا تكسر الظهر تقوّيه.
إن هذا الشهر فرصةٌ لإعادة صياغة النفس من جديد، وبدايةٌ صادقة ولو من الصفر. وليس عيباً أن يبدأَ الإنسانُ من الصفر مهما بلغ عُمُره؛ إنما العيب ألا يبدأ، أو أن يبدأ ثم يستسلم. فمجرّد السير في الطريق الصحيح هو إدخالٌ للنفس في رحاب: «إنما الأعمال بالنيات».
رمضانُ فرصة لتغيير العـــــــادات، وتغيير العـادات شـرطٌ لتغيير النفـوس. وإذا أردتَ فقد بدأتَ السير، وإذا سِرْتَ فلا تتوقف.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
بالإرادة تُصاغ الشخصيّة من جديد
دروس إيمانية من شهر رمضان المبارك
الإنسان كما يريده القرآن - الجزء الثالث عشر
من مزايا الصيام.. أضواء وبيان
فضائح إبستين في ضوء الشريعة الإسلامية – قراءة أخلاقية وقِيَمِيَّة