لكلّ لغةٍ حضورانِ متقابلان متوازيانِ متعاونان، وهما الحضور الشّفهيّ، والحضور الكتابيّ. والاعتناء بتاريخ كلّ منهما يعمّق الانتماء. ألا يكون من شأن كلّ إنسان فقد ذاكرتَه، أن يبدأ بجمع خيوط الأمس، ويرمّم أشتات ذهنه، وأشلاء ماضيه؟ أليس ذلك لأنّ وجدانه يأبى عليه أن يكون بلا هويّة، أو بهويّة منقوصة؟ ونحن بحاجةٍ إلى ترميم ذاكرتنا الجماعيّة، ولا سيّما الذّاكرة اللّغويّة، بسبب الضّربات الأليمة على أدمغتنا، إذ أتلَفَتْ كثيرًا من أوراق ماضينا.
وسؤالُنا اليومَ عن جذور الخطّ العربيّ.
وترتسم في الإجابات عدّة اتّجاهات:
الاتّجاه الأوّل يحاول فرض وصاية دينيّة على جذور هذا الخطّ، مثال ذلك أنّ الأب لويس شيخو (1927م) ادّعى في كتابه "النّصرانيّة وآدابها بين عرب الجاهليّة" أنّه يرتدّ إلى أصول مسيحيّة، أمّا الأستاذ إسرائيل ولفنسون (1980م) فادّعى في كتابه "تاريخ اليهود في بلاد العرب" أنّه يرتدّ إلى أصول يهوديّة.
والاتّجاه الثّاني يعيدُه إلى عهد قريب قبل الجاهليّة، لا يمتدّ إلّا قرونًا قليلة. ومثال ذلك الصُّولي (336ه/947م) في "أدب الكتّاب"، وابن النَّديم (384ه/994م) في "الفهرست"، والنُّويريّ (733ه/1333م) في "نهاية الأَرَب"، إذ ذهبوا إلى أنّ الأصول من الحيرة، في حين ذهب الفيروز آباديّ (817ه/1415م) في "القاموس المحيط" إلى أنّ الأصول من اليمن.
أمّا الأستاذ خليل يحيى نامي (1982م) فرأى في كتابه "أصل الخطّ العربيّ" أنّ الخطّ العربيّ وليد الكتابة الـنَّبَطيّة الّتي شاعت في شمال الحجاز وجنوبيّ الشّام، وهي تفرّعت من الخطّ الآراميّ في القرن الأوّل قبل الميلاد، وزالت عن هذا الخطّ تدريجيًّا صِبْغَتُه النّبطيّة، واصطبغ بالصّبغة العربيّة في القرنين الثّالث والرّابع الميلاديّين، ثمّ زال هذا الخطّ كلّه، ونشأ الخطّ العربيّ في القرنين الخامس والسّادس الميلاديّين. وأيَّد هذا الرّأي الدّكتور حسين نصّار (2017م) في "نشأة الكتابة الفنّيّة في الأدب العربيّ".
والاتّجاه الثّالث يمعن في العودة إلى أعماق التّاريخ أكثر، وهذا بحدّ ذاته محمود، فـيربط الخطّ العربيّ بأصول مصريّة من عهد الفراعنة، وهذه الأصول انتقلت إلى الفينيقيّين، ثمّ تكوّن منها الخطّ العربيّ بعد قرون.
فأصل الخطّ العربيّ وفق رواة العرب، مصريّ، ثمّ تلقّفه الفينيقيّون، ونشأ عنه الآراميّ والـمُسنَد، فمن المسنَدِ كانَ اللِّحيانيّ والحِميَريّ والثَّموديّ والصّفويّ، ومن هذا الأخير كان الكِنْدِيّ والـنَّبَطيّ، ثمّ انحدر منه الحِـيريّ والأنباريّ، ثمّ نشأ منهما الحجازيّ، ثمّ كانَ الكوفيّ.
والأصل وَفق الباحثين الغربيّين مصريّ، ثمّ تلقّفه الفينيقيّون، ونشأ عنه المسند والآراميّ، فمن المسنَدِ كانَ السّريانيّ، ثمّ السَّطْرَنْجيليّ، الّذي أدّى إلى الخطّ الكوفيّ. ومن الآراميّ، كان الـنَّبَطيّ، ثمَّ الحيريّ والأنباريّ، ثمّ الخطّ الحجازيّ (الـنّسخيّ).
وقد نقل هذين الرّأيين أحمد الأسكندريّ (1938م) ومصطفى عنانيّ (1362ه/1942م)، صاحبا كتاب "الوسيط في الأدب العربيّ وتاريخه".
والّذي أريدُه هنا أن أضع معلَمَين في طريق البحث، يستطيع آخرون أن يعمّقوهما في دراسات موثّقة إضافيّة.
الـمَعلَم الأوّل أنّ أصل المصريّين القدماء يحتاج إلى قراءة متأنّية، فثمّة دراسات وجيهة كثيرة تذكر أنّ قبائل عربيّة قديمة هاجرت من شبه الجزيرة العربيّة، مثل عماليق عاد، واستوطنت مصر، وأسّست الحضارة المسمّاة بالحضارة الفرعونيّة. وهذا ما يذكره الطّبريّ (310ه/923م) في "تاريخ الأمم والملوك، وابن الأَثِير (639ه/1233م) في "الكامل في التّاريخ"، وأبو الفِداء (732ه/1331م) في "المختصر في أخبار البشر"، وابن خلدون (808ه/1406م) في تاريخه....
ونصر هذا الرّأيَ الباحثُ في علم الآثار أحمد عيد، في كتابه "جغرافيّة التّوراة في جزيرة الفراعنة"، المطبوع سنة 1996م، وقد قدَّم له الأستاذ الدّكتور أحمد الصّاويّ، عالم الآثار المصريّ والأستاذ في كلّيّة الآثار بجامعة القاهرة.
ويرى الدّكتور المصريّ أحمد سعد الدّين في كتاب "فرعون ذو الأوتاد"، والمؤرّخ الفلسطينيّ تامر الزّغاريّ في حسابه الرّسميّ بـ"فيسبوك"، أنّ العرب العماليق كانوا أوّل من سكن مصر، وكان منهم مائتا ملك حكموا مناطق مختلفة من مصر آنذاك.
ويذكر قريبًا من ذلك الباحث التّاريخيّ السُّوريّ محمّد نجيب نبهان في دراسة عنوانها "الفراعنة عرب بلا شكّ.. شهادة التّاريخ والجينات والآثار واللّغة"، نشرتها "مجلّة روح الإسلام"، إذ يقول: إنّ النّقوش المصريّة الهيروغليفيّة القديمة، تحوي العديد من المصطلحات الّتي تشابه الكلمات العربيّة الجذريّة، وهذا يدل على وجود لغة مشتركة بين الفراعنة والعرب الأوائل.
المعلم الثّاني أنّ الفينيقيّين أيضًا من العرب، إذ يُجمع المؤرّخون على أنّ الكنعانيّين (الفينيقيّين) هم من أوائل الشّعوب الّتي هاجرت من الجزيرة العربيّة، واستقرّت في بلاد الشّام.
وكان جان مازيل (1443ه/2022م) المختصّ بتاريخ الفينيقيّين قد أمضى ستّ سنوات، يجوب خلالها البلدان المتعدِّدة بحثًا عن آثارهم، قبل كتابة مؤلَّفه "تاريخ الحضارة الفينيقيّة (الكنعانيّة)"، وذكر فيه أنَّ أصولهم من جنوب شبه الجزيرة العربيّة.
ويحدّد المؤرّخ اليونانيّ المشهور هيرودوت (425ق.م) فينيقيا باعتبارها موطن ولادة الأبجديّة، ويقرّر أن قدموس الفينيقيّ قد أدخلها معه حين جاء إلى اليونان قبل العام 800ق.م، كما يؤكّد أنَّ اليونانيّين لم يمتلكوا أيّ أبجدية قبل ذلك التّاريخ
وبناءً على ما سبق، ينبغي أن نعلن بأعلى صوت، في كلّ منتدًى، أنَّ الحروف الأبجديّة العربيّة، منطوقةً ومكتوبةً، هي السّبّاقة في الـنّشأةِ. آن الأوان للانقلاب على ما يغرسه المستشرقون وروَّاد الغرب في أذهاننا المريضةِ مِن معلومات مضلِّلة، ووثائق مزوَّرة أو مُختَلَقة، بغيةَ الانتقاصِ من حضورنا الحضاريّ، وإظهارِنا بـوضعيّة المتسوِّلِ على موائِدِ الأمم الأخرى.
بين هرمجدون والملحمة الكبرى
جذور الخطّ العربيّ عربيّة
الصِّراط المُستقيم بين الفقه الجامع واللَّغط العقيم
الحجاب… عبادة أم عادة في ضوء الشريعة الإسلامية؟
أعيدونا إلى الخط الأنيق