من إرهاصات الحج العظيم.. عرض وتبيين
لكل عبادة في الإسلام إرهاصاتها التي تسبق فرضيتها، حيث إن الحج إلى بيت الله العتيق لألوف مؤلَّفة من أبناء أمة محمد -عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- كل عام، قد تحقق فيه الكثير من الإرهاصات التي ميزته عن باقي العبادات، ويمكن لنا حصرها في أربع إرهاصات لكل واحدة منها شرحها:
الأولى: في الإذن، والإيذان، والأذان للحج
فأما الإذن: ففي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فقد كان ذلك أمرًا من الله للوجوب لمن استطاع أداء فريضة الحج مرة في العمر؛ تخفيفًا من الله وتيسيرًا. حيث إن الرجل الذي جاء يسأل رسول الله -عليه الصلاة والسلام- عن الحج: "أكُلُّ عام يا رسول الله؟"، فسكت رسول الله ولم يجبه، ثم قال: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم»، فكانت أول إرهاصة للحج هي الفرضية مع التخفيف، وذلك من يسر هذا الدين ودفع المشاق عن عباد الله، لاسيما أن الحج خاصة له مشاقه على صاحبه وعلى من حوله من الأهل والولد بالخروج والمسير الطويل، على قاعدة قول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
فأما معنى (رجالًا) أي: مشاة على الأرجل، وأما (الضامر) فهو الركوب على البعير الهزيلة التي أتعبها السفر، فضلًا عن تمام الآية: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. وما أجمل هذا التعبير القرآني في اختيار الكلام! فلم يقل ربنا مثلًا "يأتين من كل بلد بعيد" -وهذا واقع قوله- ولكن اختار (الفج) وهو الطريق البعيد، وأما (العميق) فهو المبالغة في إثبات البعد والتوزع من كل نواحي الأرض.
وأما الإيذان بالحج: فقد كانت معالمه بأمر الله لإبراهيم وولده إسماعيل -عليهما السلام- أن يقوما برفع القواعد من البيت، مما يعني أنه لم يكن البدء من نقطة السفر، بل إنه كان مبينًا قواعده من عهد آدم، وما مر من طوفان وما غمرت به الأرض البنيان زمن نوح -عليه السلام- جعل البيت موجودًا بقواعده، فجاء الأمر من الله بإعادة رفع البنيان للبيت العتيق. قال الله تعالى بيانًا لذلك: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ هكذا يجتمع العمل في البناء، واللهج بالدعاء.
وأما الأذان: فقد جاء في ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ، قَالَ: رَبِّ قَدْ فَرَغْتُ، فَقَالَ: «أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ»، قَالَ: رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ: «أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ»، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ: «قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ»، فسمعه من بين السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون؟
الإرهاصات الثانية للحج: مناسك العبادة والانخلاع عن الدنيا
فهي مجموعة في الحج ذاته، في أنه عبادة جمع الله فيها العديد من المناسك التي ينبغي الوقوف عليها:
ـ الخلع الكامل: لما يذكّر الحاج بالحياة المعتاد عليها في موطنه، وأولها ثياب مخيطة لها جيوب، ليلبس بدلها ثوبي الإحرام، وكأنه في رحلة إلى الآخرة، وإن كانت في الأرض وليس في القبر.
ـ ترك الأهل والأرض والمال والولد: بهجرة من نوع آخر، حيث إنه يهاجر حقيقة تاركًا ما وراءه، ولعله يعود أو لا يعود، وربما يكتب وصيته لأهل بيته لتسديد الحقوق للناس والتبرؤ من كل مظلمة ولو كانت مخمصة.
ـ الحضور القلبي والجسدي معًا: بعد أن كان بالقلب فقط في موطن كل حاج بعيد، حيث تتوارد المشاعر وتختلج في قلوب أصحابها، وهم في أرض باركها الله تعالى بالبعثة والنبوة والرسالة، والمعاناة في نشر الدعوة وبذل الغالي والرخيص لإعلاء كلمة الحق والدين في العالمين.
الإرهاصات الثالثة: في الأيام العشر من ذي الحجة
ونجدها في الأيام العشر من ذي الحجة، والتي قيل بحقها إنها أفضل أيام الدنيا، وقال عنها رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» -يعني أيام العشر-. وفيها اليوم التاسع الذي هو يوم عرفة (وليس العاشر، فالعاشر هو يوم النحر)، وقال عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث رواه مسلم: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ".
وفي هذا اليوم الذي يكون فيه الحجاج على جبل عرفة واقفين، يدعون ويجأرون إلى الله أن يغفر ويتقبل منهم، يكون كل أهل التوحيد ممن صاموا هذا اليوم المبارك شركاء في تحقق إرهاصات الطاعة والعبادة، ولن يكون في عرفة أقرب إلى ربه ممن هو عن الجبل بعيد؛ وكذلك قد شارك المسلمون إخوانهم في الحج طوافًا وسعيًا وتلبية وذبحًا ونحرًا من حيث لا يشعرون، لما كانت فيه إرهاصات وحدة القلوب وهواها وإن طال بُعدها عنها بلا جفاء، استجابة لدعوة إبراهيم الخليل -عليه السلام-: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَّبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. وهل بعد ذلك أكثر قربًا واقترابًا بالروح والقلب والجسد؟
الإرهاصات الرابعة: الحج عبادة وتغيير، لا سياحة
وهي معرفة حجاج بيت الله الحرام أن الحج ليس رحلة سياحية، ولا دعوة لاكتشاف معالم أثرية، بل هو عبادة تجعل صاحبها في امتحان بعد عودته إلى أهله سالمًا غانمًا مغفورًا له بإذن رب البرية. حيث قيل في ثواب الحج عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».
ولكن لَمّا قيل في شرح "الحج المبرور"، لم يكن مقتصرًا البر فيه على المكان والزمان الذي تم أداؤه فيه، بل قيل: من علامات القبول أن يكون عمل صاحبه بعد عودته من الحج أفضل مما كان قبله. وهذا يعني بكل وضوح أن هناك من تتحقق فيهم تلك الصفات فينالون بحجهم أعلى الدرجات، ومنهم من يعودون خاليي الوفاض وقد حملوا اسم "الحاج" للزينة واللقب، وقد أمعنوا في تجريد حالهم مما ينفع ويبقى له أثر في العقب.
وفّقنا الله وإياكم للقبول، والحمد لله رب العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
الكلمات الدالة : موسم الحج ذي الحجة عشر ذي الحجة طاعات عبادات موسم الحج ذو الحجة الحج... شعائر ومشاعر
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




من إرهاصات الحج العظيم.. عرض وتبيين
أيُّ عشرٍ أظلَّتنا
خلفَ أستار الوجع: جلالُ الشهادة وصمود الخنساوات
مرافئ الطمأنينة لقلب كل عزباء
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السادس عشر