د. فاطمة الزهراء دوقيه
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الخامس عشر
تتمثل تزكية التوحيد للنفس الإنسانيَّة فيما تبثّه وتغرسه فيها من معناه الأوَّل والجوهريّ، الذي به يحقّق الإنسان إنسانيَّته الكاملة، وحياته الكريمة؛ فلا تتصوَّر تزكية إلا بتحقّقها به، ذلك هو معنى التحرّر والحرّيَّة؛ فالتوحيد تحرير لنفس الإنسان ووجدانه من الشّعور بأيّ سلطة عليه لأيّ شيء أو أحد إلا سلطة الله تعالى، إنّه تحريره من عبادة الأشياء والأحياء، ومن عبادة ذاته وهواه.
وها هو دروزة يعبّر أنَّه "العِماد الأوَّل والأقوى للإسلام وتعاميل القرآن، والذي شغلت الدّعوة إليه وتقريره حيّزًا كبيرًا من القرآن ينطوي بالإضافة إلى ما فيه من الحقيقة الإيمانيَّة الكبرى على قصد تحرير الإنسان في دنياه من سيطرة الأوهام والخرافات والخضوع لما لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، والتّوسّل بالوسائل الزّائفة لحماية نفسه، واتّخاذ النّاس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله كما هو بارز في آيات الله العديدة" [الدّستور القرآنيّ والسّنَّة النّبويَّة في شؤون الحياة، ١/ ٤٢-٤٣]. يقول تعالى مثلًا: ﴿قُلۡ یَـٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاۤءِۭ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَیۡـًٔا وَلَا یَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَقُولُوا۟ ٱشۡهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
بل لعلَّ أعظم صور هذا التّحرير تحرير الإنسان من عبادة أخيه الإنسان؛ من خلال الوعي بتساوي جميع البشر أمام الله تعالى، وأنَّ معيار التفاضل الوحيد هو في تقواه سبحانه القائل: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوبًا وَقَبَاۤىِٕلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]؛ فالأكثر تقوى وزكاةً وارتقاءً هو الأكرم عند الله والأقرب إليه، بل الأحقّ والأقدر والأجدر بالقيام بمهام الاستخلاف والنجاح في حفظ الأمانة. فإذا رأيت إنسانًا قد قبل الذّلّ على نفسه، ورضي الدّونيَّة، أو استعلى على عباد الله وحاول التّألّه عليهم، أو ادّعى لنفسه فضلًا على سواه خارج دائرة التّقوى، فاعلم أنَّ توحيده تشوبه الشّوائب والإصابات الخطيرة، ولن يستقيم أمره حتّى يتطهَّر منها، ويمحّص التّوحيد. [يراجع مقال العلوانيّ، التّوحيد ونفسيَّة العبيد].
إنَّ النّظام الذي جاءت عقيدة التّوحيد لتقيمه في الأرض هو الذي -كما يقول قطب- "يحقّق حرّيَّة الإنسان تجاه أخيه الإنسان؛ حينما يقرّر أنَّ هناك عبوديَّة واحدة لله الكبير المتعال؛ ويلغي من الأرض عبوديَّة البشر للبشر في جميع أشكالها وصورها. فليس هنالك فرد ولا طبقة ولا أمَّة تشرّع الأحكام للنّاس، وتستذلّهم عن طريق التّشريع. إنَّما هنالك ربّ واحد للنّاس جميعًا هو الذي يشرّع لهم على السّواء، وإليه وحده يتّجهون بالطّاعة والخضوع، كما يتّجهون إليه وحده بالإيمان والعبادة سواء. فلا طاعة في هذا النّظام لبشر إلا أن يكون منفّذًا لشريعة الله، موكّلًا عن الجماعة للقيام بهذا التّنفيذ، حيث لا يملك أن يشرّع هو ابتداءً؛ لأنَّ التّشريع من شأن الألوهيَّة وحدها، وهو مظهر الألوهيَّة في حياة البشر… هذه هي قاعدة النّظام الرّبّانيّ الذي جاء به الإسلام. وعلى هذه القاعدة يقوم نظام أخلاقيّ نظيف تُكفَل فيه الحرّيَّة لكلّ إنسان، حتّى لمن لا يعتنق عقيدة الإسلام، وتُصان فيه حرمات كلّ أحد، حتّى الذين لا يعتنقون الإسلام، وتُحفَظ فيه حقوق كلّ مواطن في الوطن الإسلاميّ أيًّا كانت عقيدته" [في ظلال القرآن، ١/ ٢٩٥].
إنَّه المعنى الكبير الجامع للتوحيد، الذي به تسمو النّفس الإنسانيَّة وتطهر، بأن تتحرَّر من كلّ عبادة غير عبادة الله عزّ وجلّ وحده، لما في عبادة غيره والاستسلام له "من تسخير لقوى الإنسان وتعطيل لمواهبه وإذلال لنفسه إذلالًا من شأنه أن يظلّ راهبًا خائفًا جزعًا، ممّا لا يبعث في الحقيقة على شيء من ذلك؛ ثمّ حدّ لأفقه ومطامحه، وبالتالي ما في ذلك من إفساد للقوى الإنسانيَّة والأخلاق الإنسانيَّة. في حين أنَّ التّوحيد والإيمان بإله واحد متفرّد بجميع صفات الكمال والحقّ والعدل والخير والرّحمة والقوَّة، من شأنه أن يحرّر تلك القوى ويفسح المجال لانطلاقها في أوسع الآفاق دون أن تتقيَّد بغير قيود الحقّ والعدل والخير، واعتبار كلّ ما عدا الله صغيرًا مهما كبر، فالله أكبر منه، وضعيفًا مهما قوي، فالله أقوى منه، وعاجزًا مهما قدر، فالله أقدر منه، وفقيرًا مهما غني، فالله أغنى منه. فلا يتّجه إلى أحد غيره، ولا يستشعر بخوف ولا رهبة من أحد غيره، ولا يبذل نفسه في حاجة لأحد غيره؛ وناهيك بهذا قوَّة هائلة محرّرة لما أودعه الله في الإنسان من قوى، وموجّهة لها نحو الخير والصّلاح والكمال في هذه الحياة، ومساعدة له على القيام بواجباته الاجتماعيَّة والإنسانيَّة؛ ثمّ هي حافزة له على عدم الرّضا بالظّلم والقهر والتّجبّر والتّمرّد على البغاة والمتكبّرين" [الدّستور القرآنيّ، ١/ ٤٣].
وهكذا، حين تتشبَّع وتتيقَّن نفسيَّة الإنسان بهذا المعنى الأساسيّ لعقيدة التّوحيد، فإنَّها تجعلها دائمًا، وفي أيّ حال، وأيّ موقف، وفي أيّ موضع "تهفو إلى الحرّيَّة، وتنشرح للتّحرّر، وتنفتح على دعوة الحقّ، وتُقبل على مكارم الأخلاق، وتخبت وتخشع حين تعرف الحقّ، وتحسن التّصرّف حين يتحرَّر الوجدان، وتُفجّر طاقاتها وفاعليَّتها واستعداداتها كلّها عندما تُدعى إلى الخير". [العلوانيّ، مقال التّوحيد ونفسيَّة العبيد].
وعن هذا المعنى الكبير والجامع، تتفرَّع معانٍ وآثار عديدة، تُظهر تزكّي الإنسان وتساميه، وتأهيله للقيام بدوره في عمارة الأرض، والوفاء بعهد الاستخلاف الذي بينه وبين ربّه..
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الخامس عشر
من إرهاصات الحج العظيم.. عرض وتبيين
أيُّ عشرٍ أظلَّتنا
خلفَ أستار الوجع: جلالُ الشهادة وصمود الخنساوات
مرافئ الطمأنينة لقلب كل عزباء