د. رياض علي الحسين
دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن الكريم من جامعة الجنان.
متخصص في التفسير البياني والبلاغة القرآنية.
ليس زهرُ البنفسجِ عندي يُرى وحسب، لكنْ هو معنىً يُحَسّ؛ وليس لونًا تأنسُ به العين وتقرُّ فقط، بل خَلقٌ تسكنُ إليه النفس، وما أحببتُ البنفسجَ لكونه أجملَ الأزهار؛ فإنَّ للجمالِ وجوهًا كثيرةً تتفاضلُ فيها الأذواق، لكنّني أحببتُه لشَبَهٍ فيه بالفضائل التي لا تصخبُ بنفسها، ولا ترفعُ صوتَها في سوقِ الحياة، ففي الوردِ شيءٌ من اعتدادِ الملوك، وفي النرجسِ شيءٌ من زهو الناظرين إلى صورِهم، وفي الأُقحوانِ انطلاقٌ وفرحٌ ظاهران، أمَّا البنفسجُ فمتواضعٌ كالعالِم الحقّ؛ تراه واقفًا في أطرافِ البساتين كما يقفُ الحكماءُ في أطرافِ المجالس، يَعْلمون كثيرًا ويتكلمون قليلًا.
ولعل السرَّ في محبتي للبنفسج أنّي رأيتُ الحياةَ ترفع مَن يطلبُ الرفعة ولو لم يكن أهلًا لها، وتغفلُ أحيانًا عمّن يستحقُّها، فإذا بالبَنَفْسَج يُعَلِّمُنا بحالِه درسًا آخر؛ فهو لا يتسلقُ الأغصانَ العالية، ولا ينازعُ الزهور مكانَها تحتَ الشمس، ومع ذلك يبقى محبوبًا، يختارُهُ الذوقُ الرفيعُ كما يختارُ العقلُ الحكمةَ الخفيّةَ بين ضجيجِ الآراء.
ولونه ليس لونًا صارخًا يقتحمُ الأبصار، بل هو طيفٌ هادئٌ بين الزُّرْقَة والحُمْرة، كأنَّ السماءَ والأرضَ قد تصافحتا فيه، فهو لونُ التأمُّل لا لون الضوضاء، ولونُ الفكر العميق لا الخاطرِ العابر، ومن أحبَّ التأمُّل أحبَّ البنفسج؛ لأنَّ الأرواحَ المتفكّرة تجدُ في سكونِه ما لا تجدُه في صخَبِ الألوان.
ثم إنَّ عِطرَه يُشبِهُ أصحابَ المروءاتِ الصامتة؛ لا يسبقُهم ذِكْرُهم، لَكِن إذا اقتربتَ منهم عرفتَ فضلَهم، فكم من إنسانٍ ملأَ الدنيا ضَجيجًا، لكنَّه لم يترُك في القلوبِ أثرًا، وكم من آخرَ عاش هادئًا كالبنفسج، فإذا غابَ شعرت النفوسُ بأنَّ شيئًا رائعًا قد رحل.
وأحسب أنَّ الإنسانَ كلَّما تقدمت به السنون ازداد ميلًا إلى البنفسج وأمثالِه؛ لأنَّ العمر يعلّمُنا أنَّ القيمةَ ليست دومًا فيما يلمع، بل فيما يبقى، وأنَّ أعظمَ الأشياء أثرًا قد تكونُ أقلَّها ضجيجًا، فالنهرُ العميقُ لا يَكثُرُ هديرُه، والشجرةُ الراسخةُ لا تَكثُرُ حركتُها، والروحُ الكبيرةُ لا تفتقرُ إلى إعلانِ عظمتِها.
لهذا أحبُّ البنفسج؛ لأنَّه يذكِّرُني بأنَّ التواضعَ جمالٌ، وأنَّ السكينةَ قوةٌ، وأنَّ الفضائلَ الحقّة لا تستمِدُ بهاءها من أنظارِ الناس، بل من حقيقتِها الكامنةِ فيها، فإذا رأيتَ زهرةَ البنفسجِ رأيت صورةً مصغّرةً للحكمةِ وهي تتبسّمُ في صمت، وللجمالِ مكتفيًا بما عنده دون أن يطالبَ أحدًا بالاعترافِ بذلك.
كيف لا أحبُّ البنفسج؟! وهو في عالمِ الأزهارِ كما الصَّفوةُ من الناس في عالم البشر؛ أولئك الذين لا يطرقون الأبوابَ بعنف، ولا يُزاحمون على المراتب، لكنَّهم إذا حضروا أنارَ حضورُهم المكانَ، وإذا غابوا تركوا فراغًا لم يسُدَّه أحدٌ؛ كفراغِ يوسفَ في قلب يعقوب.
كيف لا أحبُّ البنفسج؟! والبنفسجُ يعلِّمُ القلبَ أنَّ الجمالَ ليس استعراضًا، بل حقيقة؟ فكم من لونٍ لامعٍ يخطَفُ النظرَ لحظةً ثم يبهت في الذاكرة، وكم من زهرةٍ متواضعةِ المقام تبقى صورتُها ماثلةً في النفس زمنًا طويلًا، لأنَّها خاطبت الروحَ قبل أن تخاطبَ العين.
إنّني كُلَّما رأيتُ البنفسجَ خطر لي أنَّ قصيدةَ التواضعِ لم تجد أبلغَ منه بيتًا، وأنَّ رَسْم صورةِ الحياءِ لم يجد أصدقَ منه مثالًا، فهو لا يرفع هامتَه تباهيًا - فالتباهي نقص-، ولا ينشرُ ألوانَه تفاخُرًا، بل يمثُل هادئًا كأنَّما هو يَعلَم ويُعلِّم أنَّ القيمةَ لا تزيدُها الضوضاء شيئًا.
وفي الحياةِ أناسٌ يُشبِهونَ البنفسج؛ تمرُّ بهم فلا تسمعُ لهم جَلَبَةً، لكنَّك ترى آثارَهم في كلِّ موضع، هم الذين يخفِّفون آلامَ الآخرين دون أن يذكروا ذلك، ويصنعون الخيرَ دون أن يطلبوا عليه ثناءً، ويمنحون مَن حولهم الطمأنينةَ كما يمنحُ البنفسجُ نسيمَهُ العَطِرَ لمن يقتربُ منه.
ولعلَّ أجملَ ما في البنفسجِ أنّه لا يحاولُ أن يكون غيرَ نفسه، فلا يغارُ من الورد إذا ازدانت به الحدائق، ولا يحسُدُ الياسمينَ إذا تغنَّى الناسُ بعِطرِه، بل يبقى وفيًّا لطبعِه، راضيًا برسالتِه، وهكذا شأنُ العظماء؛ لا يقيسون أنفسَهم بالآخرين؛ لأنّهم منشغِلون بتحقيقِ ذواتِهم لا بمراقبةِ سواهم.
وما أكثرَ ما أرهقتنا الحياةُ بألوانِها الصاخبة، وأخبارِها المتزاحمة، ووجوهِها المتكلّفة، حتى أصبحَ القلبُ يفتشُ عن شيءٍ صادقٍ يسكنُ إليه، فإذا بالبَنَفْسَجِ يطلّ كصديقٍ قديم، لا يسألُك أن تنبهرَ به، ولا يطالبُك بأنْ تمدحَه، إنَّما يكتفي بأنْ يمنحَكَ لحظةً من السكينة، وكأنّما يقولُ لك: ليسَ كلُّ جميلٍ يحتاجُ إلى أن يُرى من بعيد، فبعضُ الجمالِ خُلِقَ ليُكتشف عن كثَب.
فكيف لا أحبُّ البنفسج؟! وقد تمثَّلتْ فيه حكمةٌ صامتةٌ قائلةً: إنَّ أعذبَ الألحانِ ليست دائمًا أعلى الأصوات، وإنّ أنقى الأرواحِ ليست بالتأكيدِ أكثرَها ظهورًا، وإنَّ الخيرَ كالعِطرِ الخفي، قد يملأُ المكانَ كلَّه وهو لا يكادُ يُرى.
لهذا فإنَّ العالمَ كلَّما ازدحمَ ضجيجًا ازددتُ ميلًا إلى البنفسج، وكلما رأيتُ التفاخُرَ يعلو في الناسِ ازددتُ تعلَّقًا به؛ لأنَّهُ يذكّرُني بأنَّ الأشياءَ العظيمةَ لا تحتاجُ إلى أن تصرُخَ كي تُسمع، ولا أن تتعالى كي يُرى، بل يكفيها أن تكونَ صادقةً في حقيقتها، كما شأنُ البنفسجِ منذُ أزهرتْ أولُ زهرةٍ منه إلى اليوم.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
د. رياض علي الحسين
دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن الكريم من جامعة الجنان.
متخصص في التفسير البياني والبلاغة القرآنية.
البنفسج مَعلمُ جمالٍ وتواضع
كيفية حماية الأبناء من الشذوذ والانحرافات
فجر الهجرة وميلاد الأمّة
كلمة السرِّ للتغيير ونهضة الأمّة
الإساءة إلى الذات الإلهية وأثرها في المجتمعات