تشريح العالمانية - الجزء الأول
عندما تُذكر العالمانية، تبدو الكلمة مألوفة إلى درجة توهِمنا أننا نعرف معناها مسبقًا. يقول أحدهم: هي فصل الدِّين عن الدولة. ويربطها آخر بالإلحاد، بينما يراها ثالث مرادفًا للعلم والتقدّم والحرية.
لكن ما إن نحاول ضبط المصطلح حتى تظهر الأسئلة:
هل كل عالماني ملحد؟
هل فرنسا وبريطانيا تطبقان النموذج نفسه؟
هل انتهى الدين في المجتمعات الغربية؟
وهل يكفي تعريف العالمانية بأنها فصل الدين عن الدولة؟
ليست المشكلة أن كل الإجابات الشائعة باطلة تمامًا، بل إن بعضها يقدم جزءًا من الحقيقة في صورة الحقيقة كلها. ولهذا لا ينبغي أن نبدأ بالحكم على العالمانية قبل أن نشرّح اسمها، وتاريخها، وصورها المعاصرة، ثم نحدد موضع الخلاف الحقيقي بينها وبين التصور الإسلامي.
أولًا: ماذا تعني العالمانية؟
ليست مشتقة من العِلم
أولى المغالطات الشائعة أن «العِلمانية» مشتقة من العِلم، وأنها لذلك تمثل التفكير العلمي في مواجهة التفكير الديني أو الخرافي.
لكن المصطلح الغربي Secularism لا يعود إلى كلمة Science، بل إلى أصل لاتيني يرتبط بالعالَم والزمن والعصر الحاضر وما هو دنيوي أو غير كنسي.
ولهذا يختار بعض الباحثين كتابة المصطلح بفتح العين: العالمانية، نسبة إلى العالَم، لا إلى العِلم. أما «العِلمانية» بالكسر فهي الصيغة الأكثر شيوعًا واستقرارًا في الاستعمال العربي.
ولا ينبغي أن يتحول الأمر إلى معركة حول حركة العين. القضية الأهم هي ألا يقودنا التشابه اللفظي إلى تصور أن العالمانية هي العلم نفسه، أو أن نقدها يعني رفض العلوم الطبيعية.
العالمانية ليست منهجًا مخبريًا ولا نظرية في الفيزياء. إنها تصور فكري وسياسي واجتماعي يتعلق بسؤال آخر:
ما موقع الدين من تنظيم حياة الإنسان ومجتمعه؟
وقد تستعين بعض الاتجاهات العالمانية بهيبة العلم، أو ترتبط بالعلموية التي تجعل العلوم التجريبية التفسير الوحيد المقبول للحقيقة، لكن ذلك لا يجعل العالمانية مشتقة من العِلم ولا مرادفة له.
العالمانية والعلمنة واللائكية
يختلط في النقاش العربي عدد من المصطلحات التي ينبغي التمييز بينها.
Secular صفة قد تعني: دنيوي، زمني، غير كنسي أو غير ديني. فقد توصف مؤسسة أو وظيفة بأنها غير دينية، من دون أن يعني ذلك أنها تحمل فلسفة متكاملة معادية للدين.
أما Secularism، أي العالمانية، فهي مبدأ أو تصور يحدد مكان الدين وحدود سلطانه، ولا سيما في الدولة والقانون والحياة العامة.
وSecularization، أي العلمنة، هي عملية تاريخية أو اجتماعية: انتقال مؤسسة من سلطة الكنيسة إلى سلطة الدولة، أو تراجع تأثير المؤسسة الدينية في القانون أو التعليم أو السلوك الاجتماعي. فالعالمانية مبدأ، بينما العلمنة عملية قد يعيشها مجتمع من دون أن يعلن جميع أفراده تبني مذهب عالماني.
أماLaïcité ، أو اللائكية، فهي نموذج ارتبط خصوصًا بالتجربة الفرنسية، ويقوم على تصور محدد لحياد الدولة وفصلها عن الهيئات الدينية. لذلك لا يصح جعل اللائكية الفرنسية مرادفًا لكل أشكال العالمانية في العالم.
هل تعني العالمانية فصل الدين عن الدولة؟
هذا هو التعريف الأكثر شيوعًا، لكنه لا يكفي وحده لفهم الظاهرة.
فما المقصود بالدين؟ هل المقصود الكنيسة بوصفها مؤسسة، أم رجال الدين، أم الشعائر، أم الأخلاق، أم التشريع المستند إلى الوحي؟
وما المقصود بالدولة؟ هل نعني الحكومة فقط، أم القضاء والتعليم والأسرة والإعلام والقانون والمجال العام كله؟
ثم ما معنى الفصل؟ هل هو استقلال مؤسسي؟ أم حياد بين الأديان؟ أم عدم فرض مذهب معين؟ أم منع الدين من المجال العام؟ أم نزع المرجعية الملزمة عن الوحي؟
قد توجد دولة تفصل الكنيسة عن مؤسسات الحكم، لكنها تسمح للقيم الدينية بالحضور في النقاش العام. وقد توجد دولة أخرى تحتفظ بكنيسة رسمية، لكن الوحي فيها لا يشكل المرجعية العليا للقانون.
إذن، العلاقة بين الدين والدولة ليست مفتاحًا كهربائيًا له وضعان: متصل أو مفصول. إنها شبكة معقدة من السلطات والحدود والتسويات.
ولهذا فإن تعريف «فصل الدين عن الدولة» يصف بعض مظاهر العالمانية، لكنه لا يكشف دائمًا جوهرها.
السؤال الأعمق: من يملك المرجعية النهائية؟
عندما نختلف في تعريف العدل والظلم، أو الخير والشر، أو الأسرة والزواج، أو الحقوق والواجبات، فمن يملك الكلمة الأخيرة؟
هل الوحي مرجع ملزم؟ أم يحق للإنسان والدولة والمجتمع أن ينظموا هذه المجالات باستقلال نهائي عنه؟
يمكن، في ضوء هذا السؤال، تعريف العالمانية تعريفًا تحليليًا بأنها:
مبدأ ينزع عن الدين مرجعيته الملزمة في تنظيم بعض شؤون الحياة أو كلها، ويجعل المرجعية النهائية في تلك المجالات للإنسان ووسائله ومصالحه الدنيوية.
لا يعني ذلك أن العالمانية تمنع الدين دائمًا. فقد تسمح بالمساجد والكنائس، وتحمي حرية الشعائر، وتشجع المؤسسات الخيرية الدينية. لكنها تفرق بين حق الدين في الوجود وحقه في أن يكون مرجعًا ملزمًا.
وقد تختلف مساحة هذا النزع من نموذج إلى آخر. فهناك عالمانية جزئية تركز على السياسة والتشريع، وعالمانية شاملة تمتد إلى تصور الإنسان والمعرفة والأخلاق والأسرة ومعنى الحياة.
كما قد تكون العالمانية إقصائية تحاول تقليل حضور الدين، أو تحييدية تسمح به شخصيًا واجتماعيًا من دون منحه سلطة ملزمة، أو استيعابية تقبل مشاركة المؤسسات الدينية داخل المجال العام مع إبقاء المرجعية النهائية في الإطار الدستوري والبشري.
العقل والخبرة ليسا عالمانية
القول بمرجعية الوحي لا يعني البحث عن نص تفصيلي يحدد شكل الجسر أو جرعة الدواء أو توقيت إشارات المرور.
هناك مجالات واسعة تعود فيها المعرفة إلى أهل الاختصاص. فالطبيب يحدد العلاج الأكثر فاعلية، والمهندس يقرر كيف يُبنى الجسر، والاقتصادي يدرس البدائل المتاحة.
لكن الخبرة تجيب عادة عن سؤال: ما الوسيلة الأكثر فاعلية؟
أما المرجعية فتجيب عن أسئلة أخرى: هل الغاية مشروعة؟ هل الوسيلة جائزة؟ وما الحدود الأخلاقية التي لا يجوز تجاوزها؟
إذن، الخلاف ليس بين الوحي والعقل، ولا بين الدين والخبرة، بل بين عقل يعمل داخل مرجعية أعلى، وعقل يعلن استقلاله النهائي عنها.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




تشريح العالمانية - الجزء الأول
مداد الأجل في ظلال نعمة الأمل
الكتابة للطفل رسالة ومسؤولية
فطال عليهم الأمد
أين كان الحديث قبل البخاري؟