لكلّ أمّةٍ ماضٍ تعتزّ به، وإن كان ضحلَ الثّقافة نَزْر الفائدة، لأنّها ترى فيه بدايتها الّتي تُعزّز صورتها المتواصلة في استكمال حضارتها، وترسيخ مدنيّتها، وتعزيز حضورها بين الأمم.
وأمّتنا شجرة باسقة سامقة، دوحة وارفة الظّلال، غنيّة الثّمار، راسخة الجذور، فارعة الأغصان، لها في كلّ العلوم بصَمات مشرّفة، وأيادٍ فاضلة، أقرّ بها الغريب قبل القريب، ولهذا يجدر بنا كشف الـنّقاب عـن كلّ الزّوايا الّتي تزيد المشهد الحضاريّ تألّقًا.
وأبرز الأمور الدّالة على زوايا الحضارة المنسيّة المستندات الخطّيّة، ومنها النّقوش الأثريّة الّتي هيمن عليها الغربيّون، فأظهروا بعضها وأخفَوا بعضها، ضمن خطّة مرسومة، ومنها الكتب الـتّراثية التّي ما زال كثير منها مخطوطًا إلى الآن.
لقد استطاع علماء التّحقيق انتشال مخطوطات كثيرة العدد عظيمة الفائدة، من أقبية المكتبات القديمة، وأخرجوها إلى الوجود، مع خدمة علمية للــنّصّ، تزخر بها الحواشي السّفليّة، وهي تقوم أوّلًا على ترميم الـنّصّ مـمّا لحق به من تلف في أصله، ثمّ على الـتّرجيح بين مخطوط وآخر للكتاب نفسِه، وتخريج الآيات الكريمة، والأحاديث الـنّبويّة، وردّ أبيات الشّعر والعبارات المنقولة من الكتب السّابقة إلى مظانّها، والـتّعليق على بعض الآراء، وما إلى ذلك من منهج علميّ دقيق. وبرز من روّاد تحقيق المخطوطات حسن السّندوبيّ (1967م)، ومحمّد محيي الدّين عبد الحميد (1972م)، وعبد السّلام هارون (1988م)، ومحمود محمّد شاكر (1997م)، وصلاح الدّين المنجّد (2010م)، وفؤاد سزكين (2018م). وكانت دُور الـنّشر تتسابق للحصول على مخطوطات فريدة تشتريها وتدفع بها إلى محقّقين مقتدرين، ثمّ تنشرها.
وبغية انتهاج صراط سويّ في آليّات الـتّحقيق، صنّف علماؤنا الأجلّاء كتبًا ترشد المحقّق في عمله الحسّاس هذا، ومن ذلك كتاب "تحقيق النّصوص ونشرها" لعبد السّلام هارون، و"قواعد تحقيق المخطوطات" لصلاح الدّين المنجّد، و"منهج تحقيق النّصوص ونشرها" للدّكتورين فوزي حمّودي القيسيّ وسامي مكّيّ العانيّ...
ولقد عمدت جامعات عربية وإسلامية كثيرة إلى اعتبار التّحقيق المنهجيّ العلميّ لمخطوط بمنزلة كتابة رسالةٍ عِلميَّة للحصول على رتبة الماجستير أو الدّكتوراة، وصارت هذه الجامعات تتلقّف مخطوطات ضخمة في عدد صفحاتها، وتجزّئها، وتوزّعها على عديد من الطّلّاب، وقد تقوم بعد ذلك بطباعتها بالتّوافق مع إحدى دور النّشر، ممهورة بأسماء هؤلاء الطّلّاب المحقّقين.
ومع ذلك ما زلنا نرى آلاف المخطوطات في عهدة المكتبات العربيّة والإسلاميّة، تنتظر الهمم العالية. والأخطَر أنّنا نرى كثرة أخرى في قبضة قراصنة الـتّراث الغربيّين، والـتّاريخ حدّثنا كم أخفى دهاة الغَرب من كتب مخطوطة استَولَوا على أصولها، حتّى يُتاح لهم أن يُترجموها، وينسبوها إلى أنفسِهِم، حين يتأكّدون أنّه لا تُوجَد نسخ إضافيّة تَفضَح خُبثَ السّرقة الفكريّة. وهذا يعني أنّ كلّ إمهال في المطالبة بكنوزنا قد يُفضي إلى الاستحواذ على المزيد من خلاصات أفكار أجدادنا!
وإليكم هذه المعلومات الّتي ذكرها الباحث إسلام عبد الوهّاب في مقالة له عبر منصّة "رصيف 22":
قدّر بعض محقّقي التّراث في العالم العربيّ المخطوطات العربيّة في فرنسا بحوالي 8500 مخطوط، لكنّ المكتبة الوطنيّة في باريس، وهي صاحبة أكبر تجمّع للمخطوطات العربيّة في فرنسا، تملك نحو 7200 مخطوط.
وتحتفظ المكتبة الوطنيّة بمدريد بحوالي 2000 مخطوطة عربيّة، كما يذكر أيمن فؤاد سيّد في "الكتاب العربيّ المخطوط وعلم المخطوطات"، وتقدَّر المخطوطات العربيّة في دير الإسكوريال بما بين ألفين وثلاثة آلاف، وكان عددها أكبر من ذلك إلى أن نشب حريق هائل بها عام 1671 أحرق عددًا لا بأس به منها.
أمّا مكتبة الكونجرس الأميركيّ فتضمّ حوالي 1700 مخطوطة عربيّة، منها نسخة من القرآن الكريم على رقّ غزال تعود إلى القرن الرّابع أو الخامس الهجريّ.
وتمكّنت إسرائيل من الاستيلاء على أكثر من 30 ألف كتاب ومخطوطة من المكتبات الفلسطينيّة في بيوت القدس!
إزاء هذه المعلومات لا بدّ من إحلال هذه القضيّة في صدارة القضايا الّتي تهمّ الأمّة، ولا بدّ من مساءلة أصحاب القرار السّياسيّ في بلادنا، فأضعف الإيمان أن يطالِبوا بمستندات مسروقة تمثِّل هويّة الأمّة، بعد أن ضعُفوا أن يُطالِبوا بأوطانٍ مغتصبة أو مُستَباحة، وموارِدَ اقتصاديّة منهوبة!
ثمّ إنّ من النّكَبات الّتي لحقت ببعض المخطوطات، منذ عقود، وما زالت تلحق، تقاصُرَ هِمم المحقّقين الجدد عن خِدمة الــنّصّ، فتجد الكتاب يُطبَع بثُغُرات علميّة فادحة، وأخطاء طباعيّة ولغويّة فاضحة، مَعَ نَقْص في الـتّوثيق، وإقلال في شرح الألفاظ الغريبة، فلا يستطيع القارئ أن يغنم المغنم المأمول، وهو يقلّب صفحات الكتاب حائرًا يائسًا. وقد يأتي محقّق مزعوم إلى مخطوط سبق أن حُقِّق، فيعيد فهرسته أو ضبط بعضِ ألفاظه، وتتبنّى دار نشرٍ هذا الـمُنجَزَ الـمُنتَحَل، وتطبعه، من دون حسيبٍ أو رقيب.
ولقد شهِدنا جامعاتِنا منذ ربع قرنٍ تتراجَع عن حماستها السّابقةِ في إسناد المخطوطات إلى طلبة العلم لإخراجها الإخراج العلميّ والفنّيّ بالمنهجيّة الوافية. قد نلتمس بعض العذر، حين نجد أنّ الـمحقّقين المعتَبَرين باتوا قلّة، وأنّ الأساتذة الجامعيّين ليسوا بالضّرورة من هذه القلّة، وقد نلتمس بعض العذر، حين نجد أنَّ طلبة العِلم في هذا القرن باتوا بشكل عامٍّ أقلَّ مستوًى من طلبة العِلم في القرن الماضي، ويصعب أن تجد في المئات منهم من يتقن قراءة مخطوط، فكيف ينهض بكلّ لوازم تحقيقه؟ قد نلتمس بعض العذر هنا وهناك، ولكنّ السّؤال الأهمّ: هل قدّمت الجامعات خطّة متكاملة للخروج من هذا المأزق، وإعادة الاعتبار لتحقيق المخطوطات؟ لقد سألتُ، وأضناني السّؤال، وأعياني الجواب!!!
غير أنَّ ما يقرب من الجواب هو الأجواء المزعجة الّتي تضعنا فيها أغلب الجامعات، والمؤسّسات الثّقافيّة، والأندية الفِكريّة، فلقد باتت مفردات الحداثة وما بعد الحداثة تدفعُ الكثيرين مِـمّن يُطلِقون على أنفسِهم أنّهم "متنوّرون" إلى تنحية الـتّراث برُمَّتِه، أو الاكتفاء بإطلالات خَجْلى على عناوينه العريضة، والـنَّهل حتّى الثّمالة من كؤوس الغرب، وكانَّ ما يقدِّمه من فكرٍ وثقافةٍ هو البلسم الشّافي.
فإلى الــتّراث الثّريّ نَدعوكُم. عودوا إليه، فالعَود أحمَد، وأَحْيُوه، تُكتَبْ لكم الحياة.
لماذا نهمل مخطوطاتنا؟
السؤال عن النعيم النافع منه والسقيم
لماذا تَرَجَّلَت المرأة وتأنَّث بعض الرجال؟
حين يقود المُؤثِّرون الذَّائقة: مَن يصنع اختيارات الجيل الجديد؟
الطفولة في مدرسة النبوة: كيف ربّى النبي ﷺ الأطفال؟