بين الواقع والخيال..!

لم أكن أعرف ما هو (النابالم)، ولم أكن حتى أعرف كيف تُنطق هذه الكلمة. لكنّي وجدتُها بهذا التعريف في (ويكيبيديا) بعد البحث عنها في (جوجل):
//نابالم هو سائل هلامي (gel) يلتصق بالجلد، وهو قابل للاشتعال ويستخدم في الحروب. تم تطويره من خلال مجموعة كيميائيين أمريكيين من جامعة هارفارد أثناء الحرب العالمية الثانية، بقيادة العالم لويس فيزر.
يصنع النابالم من خلال إضافة قطع الصابون الزيتي إلى البنزين المسخن بطريقة غير مباشرة وذلك بوضعه في حوض داخل حوض آخر يحوي ماء يغلي على النار وتضاف القطع مع التحريك المستمر إلى أن يصبح المزيج كثيف القوام ويجب أن يصنع في مكان مفتوح ويجب الحذر لأن هذه المادة سريعة الاشتعال.//
وكنتُ اليوم أفكّر؛ لماذا قد يلجأ شخص ما لكتابة رواية في (الخيال العِلمي الكارثيّ) والعالم مليء بالكوارث الحقيقيّة ولا يحتاج الخيال لإضافة المزيد؟!.
حين كتب هربرت جورج ويلز روايته (حرب العوالم)، لم تكن الحرب العالمية الأولى ولا الثانية قد حدثت بعد، وربّما لو رأى بعينه ما الذي يُحدِثه خيالٌ تدميريّ كخياله المريض لنظر إلى تلك الحرب بعين الرضا والسرور!
الأسوأ أن نجد الدول التي اخترعتْ الأسلحة الكوارثيّة واستخدمتْها ثم حرّمتهْا دوليًّا بشكل ظاهريّ بعد أن باعتها لمن تعرف أنّهم لن يستخدموها ضدّها، تعيد تمثيل هذا الخيال المريض في فلم يحقّق شهرة عالميّة. وربّما يكون الفلم قديمًا إذ صار عمره الآن عشر سنوات، لكنّي للتوّ سمعتُ به، ولن أقول إنّي شاهدتُه، فبشاعة الفكرة ورداءتُها وكمّية التوتّر والقرف في الفلم جعلتني أختصر مدّة المشاهدة إلى خمسة عشر دقيقة بالضبط.
في الدول المحترمة تفرض الدولة قانونًا عامًّا على مجالات الثقافة والفنون، على الأقلّ ألا ينسف هذا الفنّ الأمانَ النفسيّ وبراءة أطفالِ جيلٍ كامل!. يبدو إنّ الدول المحترمة انقرضتْ.
أين كان أطبّاء علم النفس عن هذه الكتابات وكيف يسمّى شيءٌ كهذا إبداعًا؟!
الخيال العِلميّ يُفترض به أن يكون كما عرفناه صغارًا: أن يدفعنا لاكتشاف الكون بشكل أكبر، ومحاولة تفادي الكوارث الطبيعيّة والنهوض مجدّدًا بعد الحروب. أمّا إنفاق الجهد والمال والوقت في عَرض مشاهد دماء وآلات معدنيّة عملاقة تسحق البشر.. فهذا يمكن رؤيته في أيّة نشرة إخباريّة تتحدّث عن الشرق الأوسط.. بفضل تلك الدول وحلفائها التي صارتْ تطبّق أفلام (خيالها العلمي) على أرض واقعنا وتسمّينا: مناطق منكوبة، ونزاعات مسلّحة!!
أمّا كُتّابنا الذين يعيشون ضمن هذه المناطق وعانوا معاناتها، فإنّني (أغسل يدي) من معظمهم، وكأنّهم في غيبوبة عن الواقع، وإن كتبوا شيئًا، كتبوا عن الحبّ المنحرف بين الجنسين في ظلّ الحرب! تبًّا لكم.. ألم يبقَ في عالمنا سوى هذه التفاهة؟!
لا أريد أن تكتبوا عن ألم الأمّهات والآباء يشاهدون أبناءهم يحترقون، ذلك لأنّكم عاجزون عن الإحساس بهم فكيف تكتبون؟.
ولكن اكتبوا عن شيءٍ عايشتموه: عن الخوف عندما سمعتم صوت القذيفة أوّل مرّة، عن صرخة (يا لطيف) بصوت جاركم، عن صوت الحجارة المتساقطة المندكّة يبدو كهزيم الرعد المرعب في أذني طفل الخمسة أعوام، عنه مرتعشًا خلف ثوب أمّه وهي واقفةٌ تنظر بوجلٍ للدبّابة تحاول بعقلها الريفيّ البسيط أن تحصي الخسائر القادمة: أهو محصول الحبوب، أم شتلات البندورة، أم دجاجاتها، أم يحتلّون دارها؟! أبدًا لا تصل بتفكيرها إلى أن تمتدّ يدٌ إليها أو إلى ابنها.. إنّها تثق بهذا العالم أكثر ممّا يجب. تعرف اللصوص و(الحراميّة) ولكنّها لا تدرك أنّ (أبناء الحرام) يختلفون عنهم.
ألا تقدرون أن تكتبوا عن البرودة التي تسري في جسدها خلال ثوان عندما تراهم يترجّلون من الدبّابة ويجرّون زوجها أمامهم؟..
ألا تجيدون الكتابة عن قبضة يدها تشدّ على الصغير خلفها.. الآن فقط وصلتْ بتفكيرها إليه، وقد كانتْ تظنّه فوق السحاب محميًّا، وأدركتْ بفزعٍ أنّه جسدٍ من عظمٍ ولحمٍ قابلٍ للتمزّق.
العالم ليس بحاجة الخيال الكوارثيّ، فيه ما يكفيه. إن لم تكونوا قادرين على الكتابة عنه كما هو كي نمشي به نحو الأفضل والأجمل؛ فأريحونا وببساطة.. اسكتوا.
المصدر : موقع إشراقات
الكلمات الدالة : الحرب النابالم الخيال العلمي الخيال الكوارثي الشرق الأوسط الأفلام الخيالية حرب العوالم
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
جواب العلم والدين.. لما تعارض عن يقين!
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث